في 2026/07/09
يوسف حمود - الخليج أونلاين
تتوسع الشركات الصينية بصورة متسارعة في دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات، مع انتقال العلاقات الاقتصادية من تجارة النفط والسلع إلى الاستثمار في التصنيع والبنية التحتية والطاقة والسيارات الكهربائية والتكنولوجيا والمقاولات والخدمات اللوجستية.
وتظهر الأرقام أن الصين أصبحت شريكاً تجارياً رئيسياً لدول الخليج، فقد بلغ حجم التجارة بين الصين ودول مجلس التعاون نحو 257 مليار دولار في عام 2024، متجاوزاً بفارق محدود تجارة الخليج مع الاقتصادات الغربية الكبرى، فيما تتوقع مؤسسة "آسيا هاوس" أن يرتفع الرقم إلى 375 مليار دولار بحلول عام 2028.
وفي المقابل تواجه الشركات الصينية في أوروبا قيوداً متزايدة، خصوصاً في قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا، بعد فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً إضافية على السيارات الكهربائية الصينية إثر تحقيقات مكافحة الدعم، شملت BYD وGeely وSAIC، إضافة إلى الرسوم الجمركية الأساسية.
الشركات الصينية في الخليج
تعد الإمارات واحدة من أكبر مراكز الشركات الصينية في المنطقة، إذ تشير بيانات وتقارير اقتصادية إلى وجود أكثر من 8 آلاف شركة صينية نشطة في الدولة، تعمل في قطاعات تشمل التجارة والتصنيع والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والمناطق الحرة، مع توسع واضح في دبي وأبوظبي.
وتظهر بيانات أخرى أن عدد الشركات الصينية العاملة في الإمارات قد يتجاوز 16 ألف شركة عند احتساب الشركات المسجلة والحاضرة تجارياً بمختلف أحجامها، وهو رقم يعكس تحول الإمارات إلى منصة إقليمية للشركات الصينية التي تدير أعمالها في الخليج والشرق الأوسط من دبي وأبوظبي.
وفي السعودية تشير التصريحات الرسمية إلى وجود أكثر من 750 شركة صينية تعمل داخل المملكة، وتشارك في مشاريع كبرى تشمل الطاقة والمقاولات والبنية التحتية والصناعة والمشاريع المرتبطة برؤية السعودية 2030، وفي مقدمتها نيوم والمشاريع العمرانية والصناعية الكبرى.
تشير الإحصاءات الرسمية لعام 2026، وفق وكالة ترويج الاستثمار في قطر، إلى أن هناك أكثر من 520 شركة ومكتب تمثيل صينياً تعمل حالياً في دولة قطر، حيث تنشط في قطاعات اقتصادية متنوعة تشمل التجارة، والمقاولات، والإنشاءات، والتكنولوجيا، والاستشارات الهندسية.
وتتحدث التقديرات وبيانات المنتديات الاقتصادية المشتركة لعام 2026 عن وجود أكثر من 80 شركة ومؤسسة صينية
كبرى تعمل مباشرة في سلطنة عُمان.
وحالياً يعمل نحو 70 شركة صينية في المشاريع الكويتية الكبرى، وفي مقدمتها ميناء مبارك الكبير، وتدعم استراتيجية التنمية الوطنية للكويت، وتقدم مساهمات إيجابية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وفق صحيفة "الجريدة" الكويتية.
وتأتي هذه الأرقام بالتوازي مع صعود الاستثمار الصيني في الخليج، ففي الإمارات وحدها بلغ تدفق الاستثمار الصيني المباشر 1.78 مليار دولار عام 2023، فيما وصل رصيد الاستثمار الصيني المتراكم إلى 8.91 مليارات دولار، وفق تقرير صادر عن PwC حول توسع الشركات الصينية في الشرق الأوسط.
الاتفاقيات السعودية الصينية
شهدت العلاقات السعودية الصينية زخماً كبيراً في قطاع الاستثمار، ففي سبتمبر 2025، جرى توقيع 42 اتفاقية استثمارية مشتركة بقيمة 1.74 مليار دولار، شملت قطاعات الطاقة والسيارات الذكية والتعدين والتقنيات الطبية والصناعة، ضمن منتدى الأعمال السعودي الصيني.
كما وقع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، في أغسطس 2024، ست مذكرات تفاهم مع مؤسسات مالية صينية كبرى بقيمة إجمالية تصل إلى 50 مليار دولار، شملت البنك الزراعي الصيني وبنك الصين وبنك التعمير الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني، و"سينوشور"، والبنك الصناعي والتجاري الصيني.
وفي يونيو 2026، انعقد المنتدى السعودي الصيني للمقاولات في مدينة شينزن، وشهد توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع شركات صينية بارزة، بينها POWERCHINA وCRCC وبنك التعمير الصيني، وتركزت الاتفاقيات على البناء المستدام وتقنيات الإنشاء الحديثة وسلاسل الإمداد والاستثمار المشترك.
وأظهرت اتفاقيات الإسكان السعودية الصينية توسعاً عملياً في القطاع العقاري، إذ أشارت تقارير إلى أن الشراكات مع شركات صينية تستهدف تنفيذ 100 ألف وحدة سكنية بحلول 2030، مع توقيع عقود لأكثر من 37 ألف وحدة حتى 2026.
الإمارات كمقر إقليمي
تستخدم الشركات الصينية الإمارات كمركز إقليمي لإدارة عملياتها في الشرق الأوسط وأفريقيا، مستفيدة من الموانئ، والمناطق الحرة والربط الجوي والبحري ومرونة تأسيس الأعمال، ولهذا أصبحت الدولة الخليجية وجهة رئيسية للمقار الإقليمية الصينية في المنطقة.
وفي يونيو 2026، احتضنت قوانغتشو فعاليات "AIM Talks China 2026"، التي ركزت على تعزيز التعاون الاستثماري والتجاري والصناعي بين الإمارات والصين، خصوصاً في منطقة الخليج الكبرى الصينية، وبمشاركة مسؤولين وصناع قرار ومستثمرين من الجانبين.
ركزت الفعاليات على قطاعات التصنيع المتقدم والتجارة الرقمية واللوجستيات الحديثة والتنقل الكهربائي والطاقة المتجددة، وهي القطاعات نفسها التي تسعى الإمارات إلى جذب شركات صينية فيها ضمن توجهها لتوسيع الاقتصاد غير النفطي وتعزيز مكانتها كمركز تجاري عالمي.
وتبرز المناطق الحرة الإماراتية، مثل جبل علي وكيزاد كمنصات تشغيل وتصدير للشركات الصينية، إذ تتيح لها تخزين البضائع والتصنيع الجزئي وإعادة التصدير إلى أسواق الخليج وأفريقيا وأوروبا، مع إجراءات أسرع مقارنة بالعديد من الأسواق الغربية.
بين الخليج وأوروبا
يقول الخبير الاقتصادي فؤاد حسن، إن الشركات الصينية أصبحت تتعامل مع الخليج باعتباره سوقاً تنفيذية أسرع من أوروبا، موضحاً أن الفارق لا يرتبط بحجم السوق فقط بل بطبيعة المشاريع المطروحة، إذ توفر السعودية والإمارات طلباً حكومياً مباشراً على البنية التحتية والطاقة والتقنيات الصناعية والمدن الذكية.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين" بقوله:
- الرسوم الأوروبية على السيارات الكهربائية الصينية والتحقيقات المرتبطة بالدعم الحكومي جعلت بعض الشركات الصينية تبحث عن أسواق أقل تعقيداً من الناحية التنظيمية، بينما يوفر الخليج بيئة تعتمد على الشراكات الحكومية والمناطق الحرة والمشاريع الكبرى طويلة الأجل.
- الشركات الصينية لا تنظر إلى الخليج كسوق استهلاكية فقط، بل كنقطة تشغيل وإعادة تصدير نحو الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، مستفيدة من الموانئ والمناطق الصناعية والربط اللوجستي في الإمارات والسعودية.
- القطاعات الأكثر جذباً للشركات الصينية في الخليج تشمل السيارات الكهربائية، ومكونات الطاقة الشمسية والبطاريات والبنية التحتية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وهي قطاعات تتقاطع مع برامج التحول الاقتصادي في دول الخليج.
- الصناديق السيادية الخليجية تمنح الشركات الصينية ميزة إضافية لأنها لا تكتفي بشراء المنتجات بل تدخل أحياناً كشريك ممول أو مستثمر وهو ما يجعل الخليج بالنسبة للشركات الصينية منصة توسع وتمويل وتصنيع، وليس مجرد سوق بديلة لأوروبا.