في 2026/08/08
الخليج أونلاين
لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية الدفاع المشترك في مكة مجرد إعلان جديد عن تعاون عسكري بين ثلاث دول، بل حمل رسالة سياسية وأمنية تتجاوز حدود الدول الموقعة، خصوصاً أنها جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع الحرب على إيران وتراجع فعالية الترتيبات الأمنية التقليدية في المنطقة.
الاتفاقية التي وقعت في مكة المكرمة في 7 أغسطس/آب، تقوم على مبدأ واضح: أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والأمني والتنسيق في مجالات متعددة. وقد حرصت الدول الثلاث على التأكيد أن الاتفاقية دفاعية وليست موجهة ضد دولة بعينها، ولا تستهدف تشكيل حلف عسكري أو تكتل طائفي.
لكن في طهران، قُرئت الاتفاقية بطريقة مختلفة.
طهران ترى ترتيبات أمنية جديدة حولها
بالنسبة إلى إيران، تكمن خطورة الاتفاقية في هوية أطرافها وموقعها الجغرافي أكثر مما تكمن في نصوصها المعلنة. فالسعودية تمثل القوة العربية الأبرز في الخليج، وتركيا قوة إقليمية عسكرية واقتصادية وعضو في حلف شمال الأطلسي، بينما تمتلك باكستان واحدة من أكبر الجيوش في العالم، إضافة إلى كونها الدولة الإسلامية الوحيدة ذات السلاح النووي.
وبذلك، تجد إيران نفسها أمام صيغة تجمع المال والنفوذ السعودي، والقدرات العسكرية والتكنولوجية التركية، والثقل العسكري والردع النووي الباكستاني. وهو ما يجعل الاتفاقية، من وجهة النظر الإيرانية، أكثر من مجرد تفاهم دفاعي بين ثلاث عواصم.
وتأتي الاتفاقية أيضاً بعد أشهر من تطور التنسيق بين الدول الثلاث. فقد سبق أن اجتمعت تركيا وباكستان والسعودية ضمن أطر تشاورية أوسع بشأن أمن المنطقة، في ظل الحرب الأمريكية ـ الإيرانية والتداعيات التي طالت أمن الطاقة والممرات البحرية.
لماذا أزعجت إيران؟
السبب الأول هو أن الاتفاقية تفتح الباب أمام إعادة تشكيل معادلة الردع في المنطقة. فإيران اعتمدت خلال العقود الماضية على بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء والقوى المسلحة في الإقليم كجزء من استراتيجيتها الأمنية، في مقابل اعتماد دول الخليج بدرجة كبيرة على المظلة الأمريكية.
أما الآن، فتبدو دول إقليمية رئيسية وكأنها تتحرك نحو بناء قدر أكبر من الاعتماد المتبادل في مجال الدفاع، بدلاً من الاكتفاء بالضمانات الخارجية.
والسبب الثاني يتعلق بالسعودية تحديداً. فقد تعرضت المملكة خلال السنوات الأخيرة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في وقت ارتبط جزء كبير من التهديدات بقوى مدعومة من إيران. ولذلك فإن إدخال تركيا وباكستان في صيغة دفاع جماعي يرفع كلفة أي هجوم مستقبلي على الأراضي السعودية.
أما السبب الثالث، فهو أن الاتفاقية تأتي في توقيت تخشى فيه طهران من خسارة جزء من نفوذها الإقليمي بعد الحرب الأخيرة. ومن هنا، فإن ظهور ترتيبات أمنية جديدة تضم ثلاث قوى إسلامية كبرى يمكن أن يُنظر إليه في إيران باعتباره محاولة لسحب جزء من المبادرة الأمنية من يدها.
الرد الإيراني
كان لافتاً أن الرد الإيراني جاء سريعاً. وقال النائب الإيراني إبراهيم رضائي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إن السعودية ينبغي ألا تراهن على اتفاقيات مع الآخرين لتحقيق أمنها، معتبراً أن «اتفاقاً على الورق» مع تركيا وباكستان لن يجلب لها الأمن، ودعا الرياض إلى تغيير سياساتها بدلاً من الاعتماد على الآخرين.
كما جاء الرد الإيراني الآخر على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي دعا إلى وحدة المسلمين والاعتماد على القدرات الذاتية، مشيراً إلى أن القوات المسلحة الإيرانية أثبتت، بحسب تعبيره، «الاستعداد والقدرة والقوة» في مواجهة خصومها.
هذه التصريحات تكشف أن طهران لا تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها وثيقة دفاعية محضة، بل باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في ميزان القوى الإقليمي.
مكة ليست مجرد مكان للتوقيع
اختيار مكة المكرمة مكاناً لتوقيع الاتفاقية يحمل أيضاً دلالة سياسية ورمزية. فالدول الثلاث قدمت الاتفاق باعتباره تعاوناً بين دول إسلامية، وليس تحالفاً مذهبياً موجهاً ضد إيران.
لكن اختيار مكة، إلى جانب جمع السعودية وتركيا وباكستان، يمنح الاتفاقية بعداً يتجاوز الحسابات العسكرية؛ إذ يمكن أن تتحول لاحقاً إلى إطار أوسع للتنسيق الأمني بين دول إسلامية أخرى، خصوصاً أن الباب لم يُغلق أمام انضمام أطراف جديدة.
ولهذا تحديداً تبدو طهران قلقة: المسألة ليست في الاتفاقية وحدها، وإنما في ما يمكن أن تفتح عليه من ترتيبات جديدة.
فإذا نجحت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في تحويل الاتفاق من إعلان سياسي إلى تعاون دفاعي واستخباري وصناعات عسكرية مشتركة، فإن المنطقة ستكون أمام نموذج أمني جديد، لا يعتمد بالكامل على الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لا يترك لإيران المساحة التي تمتعت بها طويلاً في إدارة جزء كبير من المعادلة الأمنية الإقليمية.
وبذلك، فإن استياء طهران من «اتفاقية مكة» يمكن فهمه بوصفه استياءً من ولادة معادلة ردع إقليمية جديدة قد تحد من هامش الحركة الإيراني أكثر من كونه اعتراضاً على اتفاق دفاعي بين ثلاث دول فحسب.