علاقات » ايراني

دروس حرب إيران.. كواليس التوجه الخليجي نحو المسيرات التركية

في 2026/06/27

طه العاني - الخليج أونلاين

دفعت حرب إيران دول الخليج إلى مراجعة أعمق لطبيعة مظلتها الدفاعية، بعدما كشفت الضربات التي طالت بنى تحتية حيوية أن التفوق التقني وحده لا يكفي أمام صواريخ ومسيّرات منخفضة الكلفة وسريعة الانتشار.

وأعادت تلك التداعيات فتح الباب أمام أنقرة بوصفها شريكاً دفاعياً مكملاً، لا بديلاً كاملاً عن واشنطن، خصوصاً في ملف الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى التي باتت تحضر بقوة في حسابات الأمن الخليجي.

صدمة الحرب

وشكّلت نتائج حرب إيران نقطة انعطاف في التفكير الدفاعي الخليجي، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بامتلاك منظومات متقدمة فقط، بل بمدى قدرتها على التعامل مع تهديدات كثيفة ومنخفضة الكلفة.

ووفق تقرير نشرته شبكة (MBN) الأمريكية في 18 يونيو 2026، فإن الضربات التي شهدتها المنطقة دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها شبه الكامل على الولايات المتحدة، والبحث عن خيارات إضافية لسد فجوات ظهرت في حماية المنشآت الحيوية.

وفي هذا السياق، قالت أسلي أيدنتاشباش، مديرة "مشروع تركيا" في معهد بروكينغز، إن "الحرب أظهرت أن دول الخليج شديدة الهشاشة أمام هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية، وأنها بحاجة إلى تطوير قدراتها في هذا المجال"، مضيفةً أن "الاعتماد على أنظمة اعتراض باهظة الكلفة لا يكفي وحده".

الخيار التركي

وتقدمت الصناعات الدفاعية التركية في لحظة خليجية تبحث عن حلول أسرع وأقل كلفة وأكثر ملاءمة لطبيعة التهديد الإيراني، خصوصاً المسيّرات والصواريخ القصيرة والمتوسطة.

وفي هذا الإطار، أبدت دول الخليج اهتماماً متزايداً بالحصول على أنظمة دفاعية استراتيجية من تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952.

وفي مايو 2026، وقّع وزير الدفاع الكويتي عبد الله علي عبد الله السالم الصباح مذكرة تفاهم مع رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية هالوك غورغون لتعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين.

كما اتجهت السعودية والإمارات وقطر إلى توسيع صفقاتها وترتيباتها العسكرية مع أنقرة، في مؤشر إلى سعي العواصم الخليجية لتعزيز خياراتها الدفاعية والاستفادة من مزودين يمتلكون حلولاً متخصصة لمواجهة التهديدات المستجدة.

ويبرز في قلب هذا التوجه الطلب على الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، ولا سيما تلك التي تنتجها شركات تركية مثل "بايكار"، باعتبارها أدوات أكثر مرونة في مواجهة المسيّرات والصواريخ الإيرانية منخفضة الكلفة.

وفي ظل هذا الاهتمام المتزايد، شهد معرض "SAHA 2026" الدولي للدفاع والطيران في إسطنبول، خلال مايو 2026، حضور مسؤولين رفيعي المستوى من دول الخليج، وسط مشاركة وفود من أكثر من 120 دولة.

وجرى توقيع عقود قاربت قيمتها 8 مليارات دولار، بما عكس انتقال النقاش حول القدرات التركية من المتابعة إلى اختبار فرص التعاون العملي.

ويستند الصعود التركي إلى نحو عقدين من الاستثمار في الصناعات العسكرية، نقلت أنقرة من موقع المستورد إلى موقع المصدّر المؤثر، خصوصاً في الطائرات المسيّرة.

ووفق الأرقام التي أوردتها شبكة (MBN)، تبيع تركيا أسلحتها إلى نحو 40 دولة في الخليج وآسيا وأفريقيا وأوروبا، وتوفر قرابة 65% من الإمدادات العالمية من الطائرات المسيّرة المسلحة.

وتدعم الأرقام هذا المسار؛ فبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري" الصادرة في مارس 2026، حلّت تركيا في المرتبة الـ11 عالمياً بين أكبر مصدّري الأسلحة الرئيسية خلال الفترة بين 2021 و2025.

وجاءت الإمارات في المرتبة الثانية بين أكبر مستوردي الأسلحة التركية بنسبة 12% من إجمالي الصادرات الدفاعية التركية.

كما أظهرت بيانات "بايكار" ارتفاع مبيعاتها الخارجية من 360 مليون دولار في عام 2020 إلى 2.2 مليار دولار في عام 2025، مع تصدير منتجاتها إلى 37 دولة.

شراكة استراتيجية

ويؤكد الباحث والمحلل السياسي محمد رقيب أوغلو، أن المتغيرات الراهنة دفعت دول الخليج إلى تعزيز تقاربها مع تركيا، بعدما أثبتت أنقرة قوتها في تغيير موازين القوى في ملفات معقدة بسوريا وليبيا وشرق المتوسط والصراع الأذربيجاني الأرميني.

ويبين لـ"الخليج أونلاين" أن عواصم الخليج باتت تدرك أهمية توثيق الروابط الدفاعية مع تركيا، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، حيث تفضل هذه الدول التعاون مع أنقرة عبر مساري التسليح وتطوير الصناعات العسكرية المحلية.

ويشير رقيب أوغلو إلى أن مؤشرات الشراكة تتجسد في الخطوات التركية لإنشاء منشآت دفاعية في السعودية، والوجود العسكري في قطر، مؤكداً أن الحضور التركي في الخليج سيتصاعد مستقبلاً مهما كانت مآلات الحرب مع إيران.

كما يلفت إلى أن دول الخليج استخلصت الدروس لحماية أمنها، وهو ما تظهره التصريحات الرسمية للقادة والمسؤولين، إلى جانب تكثيف اللقاءات والزيارات الدبلوماسية المتبادلة مع تركيا لصياغة تعاون استراتيجي جديد.

بدوره، يرى المستشار السياسي والباحث في العلاقات الدولية طه عودة أوغلو، أن الحرب بين واشنطن وطهران دفعت دول الخليج إلى مراجعة حساباتها الدفاعية وتغيير مفاهيمها، بعدما شعرت بـ"طعنة" نتيجة التقاعس الأمريكي عن حمايتها مقابل الدعم المطلق لـ"إسرائيل".

ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن عواصم الخليج اتجهت نحو البديل التركي الذي يوفر استجابة عسكرية أسرع وبتكلفة أقل، مؤكداً أن المفهوم الخليجي الجديد تجاوز مجرد شراء السلاح إلى التركيز على "توطين الصناعات الدفاعية"، وهو ما تجسد في شراكات أنقرة مع الرياض والدوحة.

ويشير عودة أوغلو إلى وجود إقبال خليجي لافت على المسيّرات التركية لفاعليتها في ساحات كسوريا وليبيا وأوكرانيا؛ حيث تمثل حلاً آنياً وحلقة وصل استراتيجية، رغم أنها لا تشكل بديلاً كاملاً عن بقية المنظومات الدفاعية.

ويلفت إلى أن الثقة الخليجية بالصناعات التركية تجلت في معرض إسطنبول الدفاعي الأخير، نظراً لمرونة أنقرة في نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، بما يتوافق مع الرؤى المستقبلية للمملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج.

ويبين الباحث أن الصراع الأمريكي الإيراني ولّد تحالفات جديدة شملت السعودية وتركيا ومصر وباكستان، مما عزز الرغبة الخليجية في إنهاء احتكار مصدر السلاح الواحد والاعتماد على قوى إقليمية موثوقة.

ويؤكد عودة أوغلو أن التقارب الدفاعي والسياسي الراهن بين الخليج وأنقرة يعد مساراً طبيعياً تفرضه المصالح المشتركة والملفات الإقليمية الحساسة لضمان أمن المنطقة.

توازن التحالفات

ولا يعني التقارب الخليجي مع تركيا مغادرة المظلة الأمريكية، بل محاولة بناء شبكة دفاعية أوسع تقلل الاعتماد على طرف واحد وتمنح العواصم الخليجية هامش مناورة أكبر.

وقال الأستاذ المشارك في تاريخ الشرق الأوسط بجامعة سانت لورانس، هوارد إيسنستات، إن "تركيا تقدم معدات مناسبة من حيث السعر والمستوى التقني لطبيعة التهديدات التي تواجهها هذه الدول".

وأضاف لـ(MBN)، أن ما أظهرته الحرب هو أن الولايات المتحدة "اعتمدت حلولاً عالية التقنية لمشكلات يمكن التعامل معها بوسائل أقل كلفة وتعقيداً".

ومع ذلك، يبقى الدور الأمريكي حاضراً في الحسابات الخليجية. فبحسب أيدنتاشباش، "تركيا ليست في مستوى الولايات المتحدة نفسه، لكنها تمتلك قدرات متقدمة في الطائرات المسيّرة ومكافحة الطائرات المسيّرة وأنظمة الصواريخ، ما يمكن أن يكون مكملاً مهماً في حروب المستقبل التي تعتمد على المسيّرات".

ويضيف إيسنستات أن "المسألة ليست استبدال الولايات المتحدة، بل البحث عن بنية أمنية أكثر توازناً تقلل من الاعتماد الكامل عليها"، وهي خلاصة تفسر جوهر التحرك الخليجي: تنويع الشركاء، لا تغيير الحلفاء دفعة واحدة.

ولا تقتصر جاذبية تركيا بالنسبة لدول الخليج على الجانب العسكري فقط، بل تمتد أيضاً إلى موقعها السياسي المتنامي في معادلات المنطقة.

ففي ظل التوترات الإقليمية المتلاحقة، ولا سيما منذ حرب غزة، سعت أنقرة إلى تعزيز حضورها بوصفها قوة إقليمية فاعلة قادرة على لعب أدوار سياسية وأمنية متوازية.

ووفق أيدنتاشباش، فإن "العديد من دول المنطقة ليست مرتاحة لفكرة أن تكون "إسرائيل" القوة المهيمنة إقليمياً"، مضيفةً أن تركيا تحاول تقديم نفسها "كبديل أو كقوة موازنة".

ومن جانبه، قال الباحث في مركز دراسات الخليج والسياسات العالمية بجامعة ابن خلدون في إسطنبول، غوخان إرلي، إن دول الخليج لم تعد راضية عن الاعتماد على مزود أمني واحد مثل الولايات المتحدة.

وأضاف غوخان إرلي، في حديثه لموقع المونيتور الأمريكي في 24 مايو 2026، أن دول الخليج تتجه بشكل متزايد إلى تنويع شراكاتها الدفاعية واستراتيجيات التسلح، كما فعلت سابقاً في تنويع اقتصاداتها.

وبين دروس الحرب وحسابات التسليح، يبدو التوجه الخليجي نحو المسيّرات والمنظومات التركية جزءاً من مراجعة أوسع لبنية الأمن الإقليمي، تستهدف بناء قدرات دفاعية أكثر مرونة وتنوعاً في مواجهة التهديدات الجديدة، دون التخلي عن الشراكات التقليدية القائمة.