في 2026/04/10
كامل جميل - الخليج أونلاين
على مدى أربعين يوماً، عاشت دول الخليج تحت تهديد هجمات جوية إيرانية نُفذت بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما تعرضت بعض هذه الدول لضربات متكررة بشكل شبه يومي، في تصعيد عسكري فرض واقعاً أمنياً ضاغطاً، وأعاد إلى الواجهة هشاشة الاستقرار الإقليمي.
هذا المشهد المتوتر لا يقتصر تأثيره على الجوانب العسكرية فقط، بل يمتد ليطرح أسئلة عميقة حول شكل العلاقة التي قد تربط دول الخليج بإيران في المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد أن تركت الهجمات الأخيرة آثاراً مباشرة على مستوى الثقة السياسية وحسابات الأمن الجماعي.
ومع إعلان التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يوم الأربعاء 8 أبريل الجاري، برزت تساؤلات جديدة بشأن مستقبل التعاون الاقتصادي والاستثماري بين العواصم الخليجية وطهران، وما إذا كان هذا المسار سيواصل نموه كما حدث خلال السنوات الأخيرة، أم أن الاعتبارات الأمنية ستدفع نحو مراجعة هذا الانفتاح.
ورغم أجواء التصعيد، تظهر البيانات الاقتصادية أن العلاقات بين إيران ودول الخليج شهدت خلال الفترة الماضية نمواً ملحوظاً في التبادل التجاري، وتوسعاً في مجالات التعاون الاقتصادي، إلى جانب مشاريع استثمارية متبادلة، ما يجعل مستقبل هذه المصالح مرهوناً بقدرة الطرفين على الموازنة بين ضرورات الأمن ومتطلبات الاقتصاد.
الهجمات الإيرانية
تشير الإحصائيات الموثقة إلى أن إيران نفذت ما يقارب 6 آلاف هجوم جوي بالصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير الماضي حتى 8 أبريل الجاري، وهو اليوم الذي أُعلن فيه وقف إطلاق النار.
وتؤكد طهران أن ضرباتها لم تكن موجهة إلى دول خليجية بعينها، بل استهدفت، وفق روايتها، قواعد ومصالح أمريكية منتشرة في المنطقة.
لكن تداعيات هذه الهجمات تجاوزت الأهداف المعلنة، بعدما أسفرت بعض الضربات عن سقوط قتلى وجرحى، فضلاً عن إلحاق أضرار بمنشآت مدنية خليجية، شملت مطارات وموانئ ومرافق طاقة ومبانٍ أخرى.
وبحسب المعطيات المتداولة، جاءت الإمارات في صدارة الدول الخليجية الأكثر تعرضاً لهذه الهجمات، تلتها الكويت، ثم السعودية، وبعدها البحرين وقطر وسلطنة عُمان.
وفي هذا السياق، كشف الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، خلال تصريحات متلفزة أدلى بها في 26 مارس الماضي، أن حصيلة ما وصفه بـ"العدوان الإيراني" على دول الخليج تجاوزت 5 آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة، بما يعادل نحو 85% من إجمالي المقذوفات التي أطلقتها إيران خلال الحرب.
ويعكس هذا التقدير، وفق القراءة الخليجية، أن نسبة محدودة فقط من الهجمات الإيرانية، لا تتجاوز 15%، كانت موجهة نحو "إسرائيل"، بينما استحوذت دول الخليج على النصيب الأكبر من الضربات.
إحصاءات تجارية
لتسليط الضوء على أثر الهجمات الإيرانية وتداعياتها على علاقات الخليج مع إيران في الجانب الاقتصادي، يمكن استعراض أحدث الأرقام المتعلقة بالتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين الطرفين، حيث تفيد:
الإمارات الشريك الاقتصادي الخليجي الأكبر لإيران، بحجم تبادل تجاري بلغ 29.1 مليار دولار في 2025، يمثل 23% من تجارة إيران الخارجية.
بلغت صادرات إيران إلى الإمارات 7.2 مليارات دولار، مقابل واردات تجاوزت 21.9 مليار دولار.
شكلت موانئ الإمارات بوابة رئيسية لإعادة تصدير السلع إلى السوق الإيرانية، خاصة خلال العقوبات.
في عُمان، وصل التبادل التجاري مع إيران إلى 2.4 مليار دولار، وسط نمو متواصل للعلاقات الاقتصادية.
بلغت الصادرات الإيرانية إلى السلطنة نحو 500 مليون دولار خلال أول عشرة أشهر من 2025.
مع قطر، سجّل التبادل التجاري 265 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2024، مدفوعاً بارتفاع صادرات الغذاء ومواد البناء.
في الكويت، بلغ حجم التجارة مع إيران 285 مليون دولار خلال أول ثمانية أشهر من 2025، بنمو 4.7%.
بدأت التجارة بين إيران والسعودية بالتعافي بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية، مسجلة نحو 25 مليون دولار، مع توقعات بمزيد من الارتفاع.
تمثل الموانئ الخليجية، خصوصاً في الإمارات وعُمان، منفذاً مهماً لعبور السلع الإيرانية إلى الأسواق العالمية.
تحتضن دول الخليج، خاصة الإمارات، رجال أعمال إيرانيين يديرون شبكات تجارية واسعة، مع استثمارات بمليارات الدولارات.
يعمل نحو 500 ألف إيراني في دول مجلس التعاون، تتركز غالبيتهم في الإمارات.
تعتمد طهران على اتفاقيات مع عُمان وقطر لتعزيز التجارة والنقل البحري والطاقة، وتخفيف أثر العقوبات.
3 سيناريوهات
يرى الخبير الاقتصادي نبيل جبار التميمي، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، أن مستقبل العلاقات التجارية بين دول الخليج وإيران "سيبقى مرهوناً بمآلات الصراع الدائر، والذي ستتضح ملامحه خلال الأشهر المقبلة".
ورجّح التميمي ثلاثة سيناريوهات رئيسية ستحدد اتجاه السوق الإقليمي، ومستوى ونوع وطبيعة العلاقات بين دول الخليج من جهة وإيران من جهة أخرى.
وقال إن السيناريو الأول يتمثل في انتهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق سلام شامل، وهو ما قد يعيد العلاقات التجارية والاستثمارات إلى سابق عهدها، مع استئناف التبادل الاقتصادي بزخم مماثل لما كان عليه قبل التصعيد.
أما السيناريو الثاني، بحسب التميمي، فهو القائم على انتصار إيران واستمرار نظامها الحالي، مبيناً أن هذا السيناريو يحمل توقعات "أكثر تعقيداً".
وبيّن أنه في حال انتصار إيران، يُرجّح أن تتراجع العلاقات التجارية مع دول الخليج، مع احتمالات تصاعد التوترات الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بتصدير النفط وحركة الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
ويطرح السيناريو الثالث احتمال خسارة إيران وتغيير النظام، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات الأمريكية والخليجية إلى الداخل الإيراني؛ في محاولة لإعادة بناء العلاقات واستغلال فرص اقتصادية وتجارية واسعة مع نظام جديد، على حدّ قول التميمي.