في 2026/04/09
يوسف حمود - الخليج أونلاين
تواجه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي منذ اندلاع الحرب على إيران أواخر فبرير 2026، ضغوطاً متزايدة نتيجة اضطراب أسواق الطاقة وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
هذه الأحداث انعكست بشكل مباشر على تدفقات التجارة وأسعار الشحن والتأمين، ما أدى لرفع مستويات المخاطر وعدم اليقين في الأسواق المالية العالمية والإقليمية خلال الفترة الأخيرة.
ويرتبط الاقتصاد الخليجي بشكل وثيق بالاقتصاد العالمي عبر الطاقة والتجارة والاستثمار، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار وتباطؤ النمو العالمي، وسط تزايد المخاوف من موجة تضخم دولية قد تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات الاقتصادية داخل المنطقة وتؤثر على مستويات الطلب والاستثمار.
ومع إعلان واشنطن وقف إطلاق النار مع طهران لمدة أسبوعين وبدء مفاوضات السلام في باكستان المرتقبة، ينتظر أن ينعكس ذلك إيجاباً على الاقتصاد الخليجي والعالمي ووضعهما على سكة التعافي.
الاحتياطيات المالية والصناديق السيادية
تعتمد دول الخليج بشكل أساسي على الاحتياطيات المالية والصناديق السيادية، كخط دفاع أول في مواجهة الصدمات الاقتصادية، حيث تتجاوز قيمة هذه الأصول 6.5 تريليون دولار.
هذه الأصول تمنحها قدرة واسعة على تمويل العجز ودعم الاستقرار المالي، دون الحاجة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية فورية، قد تؤثر سلباً على مستويات الإنفاق العام أو النشاط الاقتصادي.
كما تتيح الصناديق السيادية مرونة إضافية من خلال إمكانية إعادة توجيه الاستثمارات أو استخدام العوائد لتعويض أي تراجع في الإيرادات النفطية، وهو ما يعزز قدرة الاقتصادات الخليجية على التكيف مع الصدمات الخارجية.
وتتمتع البنوك الخليجية بمستويات سيولة ورسملة قوية، ما يوفر قاعدة مالية مرنة تساعد على امتصاص التقلبات الاقتصادية، ويمنح الحكومات مساحة للتحرك دون الحاجة إلى إجراءات استثنائية قد تؤثر على الاستقرار الاقتصادي أو ثقة الأسواق.
وبحسب تقرير لوكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، في 4 مارس الماضي، فإن "الأنظمة المصرفية الخليجية تتمتع بمصدات قوية تمكّنها من مواجهة المخاطر الائتمانية الفورية الناجمة عن الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران".
كما أوضحت الوكالة أن "تصنيفات البنوك الخليجية تعتمد في معظمها على توقعات الدعم السيادي"، مشيرة إلى أن "التصنيفات السيادية لدول المجلس تمتلك هوامش أمان كافية لتحمّل صراع إقليمي قصير الأمد لا يتصاعد بشكل كبير، لا سيما في ظل امتلاك معظم هذه الدول أصولاً مالية ضخمة توفر حماية في مواجهة أي اضطرابات قصيرة الأجل في إيرادات النفط والغاز".
مسارات بديلة
كما أدى اعتماد دول الخليج على خطوط أنابيب بديلة لنقل النفط والغاز وخطوط تجارية إلى موانئ بعيداً عن مضيق هرمز، إلى استمرار تدفق صادرات الطاقة الدولية.
ويشمل ذلك خط الشرق–الغرب في السعودية، الذي يمتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، إضافة إلى خط حبشان–الفجيرة في الإمارات، الذي يربط الحقول البرية بميناء الفجيرة على خليج عمان بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يومياً.
كما أصبح ميناء جدة الإسلامي في السعودية نقطة الانطلاق الرئيسية لشحنات البضائع الخليجية، حيث يتعامل مع 17 ألف شاحنة يومياً بعد رفع طاقته، فيما تعامل مع نحو 114 ألف شاحنة خلال شهر، بحسب قناة "العربية" السعودية.
وأعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية، في 1 أبريل، عن رفع الطاقة الاستيعابية لبوابات ميناء جدة الإسلامي من 10 إلى 18 مساراً، لدعم حركة الواردات والصادرات وحاويات الترانزيت.
أسعار النفط
كما تستفيد الاقتصادات الخليجية من ارتفاع أسعار النفط عالمياً بسبب الحرب، حيث تؤدي إلى زيادة الإيرادات الحكومية على المدى القصير، ما يوفر دعماً مالياً يمكن استخدامه لاحتواء آثار الصدمة الاقتصادية ودعم الموازنات العامة.
وبحسب تقدير صندوق النقد الدولي، في 20 مارس الماضي، لحرب إيران وتأثيرها على اقتصادات دول الخليج، فإن "ارتفاع أسعار النفط قد يساعد بعض دول المنطقة على تعويض نقص الإنتاج بصورة جزئية أو بالكامل".
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن "هذا الارتفاع يرتبط بمخاطر تضخمية عالمية، إذ يؤدي إلى زيادة تكاليف الطاقة والشحن، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويضغط على النمو الاقتصادي العالمي، وهو ما قد يؤثر بدوره على صادرات النفط والغاز".
في المقابل أشارت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في مؤتمرها الصحفي خلال اجتماعات الربيع للصندوق والبنك الدوليين في 6 أبريل 2026، إلى أن "دول مجلس التعاون الخليجي قد يكون أمامها بعض الجوانب الإيجابية، خصوصاً إذا زادت الصادرات النفطية في ظل ارتفاع الأسعار"، لكنها استدركت بالقول: "بشكل عام، فإن الأحداث تؤثر سلبياً في المنطقة بأسرها".
ومنذ بدء الحرب في 28 فبراير الماضي، ارتفعت أسعار النفط العالمية بحدود 89% لتلامس مستوى 112 دولاراً للبرميل.
القطاعات غير النفطية
تلعب القطاعات غير النفطية دوراً متزايداً في تخفيف أثر الصدمات الاقتصادية، بعد سنوات من برامج التنويع التي عززت مساهمة قطاعات مثل السياحة والخدمات المالية واللوجستيات في الناتج المحلي الخليجي، وهو ما ساهم في تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات الحكومية.
هذا التحول منح اقتصادات الخليج مرونة أكبر في مواجهة التقلبات المرتبطة بأسواق الطاقة، حيث أصبحت هذه القطاعات تمثل محركات نمو إضافية تدعم النشاط الاقتصادي وتوفر مصادر دخل متنوعة تقلل من حساسية الاقتصاد للتذبذبات النفطية.
وبحسب بيانات المركز الإحصائي الخليجي، في أغسطس 2025، فإن القطاع غير النفطي أصبح المحرك الأبرز للاقتصاد الخليجي، حيث سجل قيمة مضافة بنحو 1.513 تريليون دولار مقابل 603.5 مليارات دولار للقطاع النفطي، لترتفع مساهمته إلى 71.5% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ65% في 2022، بمعدل نمو سنوي بلغ 6.4%.
ورغم تأثر هذه القطاعات بالحرب فإن مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أشارت في 6 أبريل 2026 إلى أن "اقتصادات دول الخليج قادرة على امتصاص صدمات حرب إيران رغم تأثرها بها، وذلك بفضل جهودها لبناء اقتصادات متنوعة بمؤسسات قوية".
موقع قوة
تقول المحللة الاقتصادية حنين ياسين إن العالم يواجه "صدمة طاقة غير مسبوقة"، ليس فقط نتيجة استهداف نحو 75 منشأة للطاقة في الخليج، بل بسبب تهديد مباشر لممر هرمز الذي يمر عبره قرابة 20% من إمدادات النفط العالمية.
وأضافت في حديثها لـ"الخليج أونلاين":
- في حال لم يفتح مضيق هرمز بشكلٍ كامل خلال أبريل، قد يضاعف خسائر الإمدادات مقارنة بمارس الماضي، مع امتداد التأثير إلى الغاز والأسمدة والبتروكيماويات وسلاسل الإمداد.
- دول الخليج تدخل هذه الأزمة من موقع قوة، في ظل اقتصاد إقليمي يقارب 2.3 تريليون دولار، وأصول وصناديق سيادية تتجاوز 5 إلى 6 تريليونات دولار.
- هذه الأصول تمنحها قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات ودعم الاستقرار المالي والنقدي بسرعة.
- نحو 20 مليون برميل يومياً تمر عبر مضيق هرمز، إلا أن السعودية والإمارات تمتلكان بدائل استراتيجية.
- تستطيع السعودية نقل نحو 7 ملايين برميل يومياً عبر خط شرق-غرب.
- تنقل الإمارات قرابة 1.5 مليون برميل عبر خط حبشان–الفجيرة.
- هذا يسمح باستمرار جزء مهم من إمدادات الطاقة العالمية رغم أي تعطّل.
- اقتصادات الخليج لم تعد تعتمد كلياً على النفط، فقطاع السياحة في الإمارات بلغ نحو 15% من الناتج المحلي في 2025.
- هذا مؤشر على تقدم التنويع الاقتصادي، ما يؤدي لتخفيف حدة الصدمات الاقتصادية مقارنة بالماضي.
- لكن أزمة الحرب لن تمر دون كلفة فارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% قد يرفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية ويبطئ النمو، ما يعني أن التأثير سيكون عالمياً وليس إقليمياً فقط.
- دول الخليج قادرة على امتصاص الصدمة دون إلغائها، ونجاحها يعتمد على إدارة الاحتياطيات المالية بكفاءة، وضمان تدفق الطاقة عبر البدائل، وتقديم دعم انتقائي للقطاعات الأكثر تضرراً.
- الخليج يلعب دور "صمام الأمان" في استقرار أسواق الطاقة العالمية.