في 2026/07/13
محمد أبو رزق- الخليج أونلاين
خيم الحزن على الفلسطينيين في قطاع غزة مع رحيل الأمير الوالد في قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة الفلسطينية بمحطات بارزة من الدعم السياسي والإنساني والتنموي للقطاع.
ومع انتشار نبأ وفاته، توالت بيانات النعي ورسائل التعزية والمواقف الشعبية التي استذكرت مناقبه ومواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، والدور الذي اضطلع به في تعزيز صمود غزة خلال سنوات الحصار والحروب المتعاقبة.
واستعاد الفلسطينيون ما قدمه الأمير الوالد من مشاريع إعمار وتنمية تركت بصمة واضحة في حياة مئات الآلاف من المواطنين، وفي مقدمتها مدينة حمد السكنية، ومشاريع الطرق والبنية التحتية، ودعم القطاعين الصحي والتعليمي، فضلاً عن زيارته التاريخية لقطاع غزة عام 2012، التي شكلت محطة مفصلية في مسيرة الدعم العربي للقطاع.
وفي مشهد يعكس حجم التقدير الشعبي الذي يحظى به الأمير الوالد لدى الفلسطينيين، أقيم بيت عزاء له على أنقاض منزل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، الشهيد إسماعيل هنية، في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، حيث توافد مواطنون ووجهاء وشخصيات وطنية ومجتمعية؛ لاستذكار إرثه ومواقفه التي بقيت حاضرة في وجدان أبناء القطاع.
نعي واسع
نعت حركة "حماس" الشيخ حمد بن خليفة، متقدمة بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والأسرة الحاكمة، والشعب القطري، والأمتين العربية والإسلامية.
وأكد الكاتب والباحث خالد عبد الفتاح أن الأمير الوالد كان صاحب البصمة الأولى والأبرز في دعم قطاع غزة بعد الدمار الذي خلفته حرب 2008-2009، وكذلك خلال الحروب المتعاقبة التي تعرض لها القطاع.
وقال عبد الفتاح لـ"الخليج أونلاين": إن "دولة قطر كان لها دور كبير في تطوير البنية التحتية في غزة، من خلال تنفيذ مشاريع إسكانية ومدن جديدة لاستيعاب السكان، ومن أبرزها مدينة حمد شمال مدينة خان يونس، إضافة إلى تطوير طريق صلاح الدين الذي يربط محافظات قطاع غزة من شماله إلى جنوبه".
ويوضح أن الأمير الوالد كان له الأثر الأكبر في تعزيز صمود غزة في مواجهة الحصار الإسرائيلي، خاصة خلال المراحل الصعبة التي أعقبت عام 2006، مشيراً إلى أن قطر قدمت دعماً مالياً كبيراً للمؤسسات الصحية والتعليمية في القطاع.
ويؤكد أن قطر أسهمت بشكل فاعل في تطوير المستشفيات وتجهيزها بالأجهزة الطبية الحديثة، ومن ذلك دعم مبانٍ وأقسام طبية في مستشفى ناصر ومستشفيات أخرى، إلى جانب الدور الإعلامي الذي قامت به قناة الجزيرة في نقل صورة معاناة سكان قطاع غزة إلى العالم.
وأضاف عبد الفتاح أن "هذه المواقف تركت أثراً عميقاً في نفوس الفلسطينيين"، قائلاً إن أبناء قطاع غزة ينعون الأمير الوالد ويستذكرون مواقفه الداعمة، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته.
وشدد على أن غزة لا تنسى المواقف التي وقفت إلى جانبها خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع في يناير 2009، مؤكداً أن الدعوة إلى قمة الدوحة آنذاك مثّلت صرخة في وجه الصمت العربي والدولي.
وأكد أن غزة لا تنسى أيضاً الخطوات العربية والعالمية التي أسهمت في كسر الحصار، وفي مقدمتها زيارة الأمير الوالد وزوجته الشيخة موزا بنت ناصر إلى قطاع غزة في أكتوبر 2012، وإعلانهما عن مشاريع تنموية وإسكانية بقيمة بلغت نحو 400 مليون دولار لدعم البنية التحتية والإعمار.
وتلقى الشعب الفلسطيني، حسب عبد الفتاح، في غزة نبأ وفاة الأمير الوالد بحزن شديد؛ تقديراً لما قدمه من دعم ومساندة للقطاع في مختلف المراحل.
ويبين أن "كلمات الأمير الوالد كانت دائماً منحازة إلى غزة الجريحة والمظلومة، وكان يمثل صوت العدالة والحق في ظل صمت عربي ودولي رسمي تجاه ما يتعرض له الشعب الفلسطيني".
شهادة السنوار
وبحسب شهادة نقلها الصحفي في صحيفة "الرسالة" المحلية، محمود هنية، فإن قائد حركة "حماس" في غزة، الشهيد يحيى السنوار، عبر خلال أحد اللقاءات المغلقة التي جمعته بعدد من الصحفيين عن تقديره الكبير للدور الذي أدته قطر وقيادتها في دعم قطاع غزة، مشيداً بصورة خاصة بمواقف الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تجاه القضية الفلسطينية.
وقال هنية إن "السنوار وصف القيادة القطرية بأنها شريكة في مشروع التحرير، انطلاقاً من قناعته بأن إسناد الأسر الفقيرة والعائلات المتضررة، والحفاظ على تماسك المجتمع الفلسطيني، يمثلان جزءاً أساسياً من مشروع الصمود في مواجهة الاحتلال".
وأوضح أن السنوار كان ينظر إلى المساعدات القطرية المقدمة للأسر المحتاجة، وتمويل برامج الإغاثة والسكن والبنية التحتية، باعتبارها مساهمة مباشرة في حماية الجبهة الداخلية الفلسطينية، ومنع الحصار من تفكيك المجتمع أو دفعه نحو الانهيار.
ووفقاً لشهادة هنية، فإن السنوار خصّ الأمير الوالد بإشادة واضحة، مستذكراً مواقفه التاريخية من غزة، وزيارته للقطاع، ودعمه لمشاريع الإعمار، ووقوفه إلى جانب الفلسطينيين في مراحل سياسية وإنسانية شديدة التعقيد.
ورأى السنوار، بحسب الرواية، أن "الأمير الوالد لم يتعامل مع غزة باعتبارها ملفاً إنسانياً مؤقتاً، بل تبنى همومها واحتياجات أهلها بوصفها جزءاً من مسؤولية عربية وإسلامية وأخلاقية".
كما أشار إلى أن قطر تبنت احتياجات الأسر الفقيرة والعائلات المتضررة، وأسهمت في توفير مقومات الصمود لها من خلال المنح النقدية والمشاريع السكنية والصحية والخدمية.
وبين هنية أن السنوار أحجم عن إعلان هذه المواقف بصورة مباشرة وواسعة، حرصاً منه على عدم إحراج قطر أو تعريضها لمزيد من الضغوط السياسية والإقليمية بسبب علاقتها بقطاع غزة ودعمها للفلسطينيين.
ونشر حساب مراسل "الجزيرة" في غزة، الشهيد أنس الشريف، صورة سابقة للأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني وهو يشاهد خطاباً سابقاً للناطق باسم كتائب القسام، الشهيد أبو عبيدة، في العام 2024 خلال مباريات كأس آسيا في الدوحة.
دعم الإعمار
شكل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أحد أبرز الداعمين لقطاع غزة على المستويين الإنساني والتنموي، حيث ارتبط اسمه بأكبر مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية التي شهدها القطاع خلال العقدين الماضيين، والتي أسهمت في تحسين حياة مئات آلاف الفلسطينيين.
وجاءت زيارة الأمير الوالد لقطاع غزة في أكتوبر 2012 لتشكل محطة تاريخية، إذ كان أول زعيم عربي يدخل القطاع منذ فرض الحصار الإسرائيلي عام 2007.
وخلال الزيارة أعلن رفع قيمة المنحة القطرية لإعادة إعمار غزة إلى نحو 407 ملايين دولار، خُصصت لتنفيذ مشاريع إسكانية وتنموية وخدمية واسعة النطاق.
وتعد مدينة الشيخ حمد السكنية في محافظة خان يونس أبرز المشاريع التي حملت اسم الأمير الوالد، وأحد أكبر المشاريع الإسكانية التي نُفذت في قطاع غزة.
وجاء إنشاء المدينة استجابة لحاجة آلاف الأسر الفلسطينية التي فقدت منازلها أو كانت تعيش في ظروف سكنية صعبة، حيث ضمت آلاف الوحدات السكنية، إلى جانب المساجد والمدارس والحدائق والمرافق الخدمية، لتتحول إلى نموذج عمراني متكامل أسهم في توفير الاستقرار لآلاف العائلات الفلسطينية.
كما منحت الجامعة الإسلامية بغزة الأمير الوالد وحرمه الشيخة موزا بنت ناصر درجة الدكتوراه الفخرية، تكريماً لجهودهما في دعم القطاع وأهله، وقدمت له هدايا رمزية من تراب فلسطين وزيتونها ومفاتيح المنازل الفلسطينية، تعبيراً عن التمسك بالأرض والهوية وحق العودة.
وامتد الدعم القطري ليشمل تنفيذ مشاريع استراتيجية في البنية التحتية، كان من أبرزها إعادة تأهيل وتوسعة شارع صلاح الدين، الشريان الرئيسي الذي يربط شمال قطاع غزة بجنوبه، إضافة إلى تطوير أجزاء من شارع الرشيد الساحلي، الأمر الذي ساهم في تحسين حركة النقل والتنقل بين محافظات القطاع، وخدمة القطاعات الاقتصادية والزراعية والخدماتية.
وشملت المنحة تنفيذ مشاريع للطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية للمناطق السكنية الجديدة، بما عزز قدرة القطاع على مواجهة النمو السكاني والاحتياجات المتزايدة.
ومن أبرز الإنجازات التي ارتبطت باسم الأمير الوالد إنشاء مستشفى باسمه للتأهيل والأطراف الصناعية، الذي افتتح عام 2019 بتمويل قطري، ليصبح أول مستشفى متخصص من نوعه في قطاع غزة لعلاج مصابي الحروب وذوي الإعاقة.
ويقدم المستشفى خدمات التأهيل والعلاج الطبيعي وتركيب الأطراف الصناعية، وأسهم في إعادة تأهيل آلاف الجرحى، خصوصاً مبتوري الأطراف. كما واصل تقديم خدماته رغم الأضرار التي لحقت به خلال الحرب، واستأنف عمله لخدمة المرضى والمصابين، مع استمرار الدعم القطري لتطوير خدماته الطبية.
ولم يقتصر الدعم القطري على المشاريع الإسكانية، بل شمل تطوير المستشفيات وتزويدها بالأجهزة الطبية الحديثة، ودعم المؤسسات الصحية والتعليمية، إلى جانب تمويل مشاريع خدمية وتنموية أسهمت في تحسين مستوى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
ورغم ما تعرضت له مشاريع الإعمار من دمار خلال الحروب الإسرائيلية الأخيرة، فإن مدينة حمد السكنية، ومستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، ومشاريع الطرق والبنية التحتية، ما تزال تمثل شواهد بارزة على الدور الذي اضطلع به الأمير الوالد في دعم الشعب الفلسطيني وترسيخ أسس التنمية والإعمار في قطاع غزة.
ويبقى اسم الأمير الوالد حاضراً في الذاكرة الفلسطينية بوصفه أحد أبرز القادة العرب الذين ارتبطت مواقفهم ومشاريعهم بدعم غزة وتعزيز صمود أهلها، وهو ما تجسد مجدداً في مشهد بيت العزاء المقام على أنقاض منزل الشهيد إسماعيل هنية، حيث امتزجت مشاعر الوفاء والامتنان باستذكار مسيرة طويلة من الدعم والعطاء.