في 2026/04/19
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
وسط ما نعانيه في الخليج من توترات أمنية ومخاوف اقتصادية، تبرز قضية أخرى تشكّل وجعًا؛ وربما شعورًا بالعزلة، فقد امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالنقد الجارح لوجود القواعد الأمريكية في الخليج؛ وبأن الخليجيين هم من جلبوا لأنفسهم المشكلات والمخاطر، ووصل الأمر لاتهامنا بأننا حلفاء وشركاء لأميركا في عدوانها على المنطقة..!
في هذا الصدد؛ يجد المواطن الخليجي نفسه بين سندان الخطر الأمني والاقتصادي ومطرقة الاتهامات وافتقاد تعاطف قطاعات كبيرة من الشعوب العربية معه، حتى تحميل بلاده المسؤولية في الوصول لهذه الحال المؤلمة.
ما يزيد الأمر سوءًا أن بعض المواطنين، وبعض المثقفين والإعلاميين، يتعاطون مع هذا الوضع بطريقة انفعالية خاطئة، فيوسع الفجوة بين شعوبنا وبقية الشعوب، حتى وصل الأمر إلى السباب والخطاب الاستعلائي الذي يمنّ على الشعوب الأخرى بإتاحة فرص العمل وبالمساعدات الخليجية، ما يولد رد فعل عدائي لا يخدم العلاقات الأخوية المفترضة بين الشعوب العربية.
لعل الاشتباك بين المصريين من جهة، والسعوديين والإماراتيين من الجهة الأخرى، كان معبرًا عن هذه الحال بشكل صارخ. على الرغم من أن الكثير من القضايا التي ساقت إلى هذه الحال كانت تصاغ، بشكل ساخر، مثلما فعلة بعض المصريين من منشورات تقول: "اللي عنده فول وطعمية أحسن من اللي عنده قواعد أجنبية"، وهذا الجانب الساخر لا ينفي عمق المضمون وجوهر المشكلة.
لقد جلبت علينا هذه القواعد بالفعل ويلات كثيرة، حيث جعلت دولنا متورطة في صراع ليس لنا فيه ناقة ولا جمل، وجعلت أراضينا وأجوائنا أهدافا للقصف، وفي الوقت ذاته، لم تستطع حمايتنا وحماية مصالحنا ومقدرات شعوبنا. هذا إضافة إلى شبهة التحالف والشراكة في العدوان على جيراننا، والذي لم يجدِ النفي المتكرر من جانب حكوماتنا معه نفعا.
في هذا السياق؛ نحن بحاجة للمصالحة مع شعوب المنطقة وعدم تعميق العداء أو الاستسلام للعزلة التي تتسع، وهذه المصالحة تقتضي العمل على عدة مستويات:
الأول: المستوى الأمني، بعلاج جوهر المشكلة، وذلك عبر مراجعة لجدوى التحالفات والشراكات الاستراتيجية ووجود القواعد الأجنبية ومراجعة هذه الاتفاقيات؛ طالما لا نستطيع وضع ضوابط أو فرض قيود عليها.
الثاني: المستوى الاقتصادي، بمراجعة الشراكات الاقتصادية وتوجيه معظمها نحو أمتنا ولمصلحة الشعوب العربية بدلا من تدفقها لمصلحة أميركا والغرب. وهو ما يعمق التعاون والتعاضد بين الأخوة بدلا من فلسفة المساعدات، والتي تفهم على أنها مدخل للنفوذ والتحكم، وفي الأزمات تصبح مادة للمن والإساءة من جانب بعض إعلاميينا ومثقفينا في حالات الانفعال والخصومة.
الثالث: على المستوى التوعوي والثقافي، ينبغي صياغة مشروع لضبط الخطاب الخليجي وصناعة وعي شعبي بأهمية التضامن العربي، وأن المساعدات أو التعاون ليست صدقة، هي مصالح مشتركة، وأن الشعوب التي تقدم لها المساعدات لطالما ساعدت الخليج في الماضي، اقتصاديا وتعليميا، وما تزال تساعده في قضايا أخرى غير القضايا الاقتصادية. كما أن فرص العمل التي يتيحها الخليج تصب في مصلحة الاقتصاد الخليجي والخدمات، وليست تسولا ولا صدقة.
مما لا شك فيه أن قضايا الأمن القومي الخليجي تعتمد، في المقام الأول، على العلاقات الطيبة مع الجيران وعلى القوة الناعمة داخل أمتنا، في حين ثبت أن الغرب وأميركا يروننا بنكا للتمويل وسوقا للسلاح، ومواقع استراتيجية لاستهداف خصومهم، وهو ما يتنافى وضرورات الأمن القومي.
نحن، من هنا، نوجه دعوة لحكومات الخليج لإعادة ضبط العلاقة مع الشعوب العربية لاستعادة الوجه الخليجي العروبي، كونه أهم مفاتيح الأمن القومي، ووجدانيا هو الأصل.. الخروج من هذه الخصومة والعزلة التي جلبتها لنا التحالفات التي فقدت أهميتها وجدواها وفلسفتها في حماية الأمن، ولا ننادي بالقطيعة، إنما على الأقل ترشيدها ووضعها في سياق الانفتاح على العالم، من دون أن تؤثر في علاقاتنا الاستراتيجية الحقيقية بالأمة.