في 2026/02/12
كمال صالح - الخليج أونلاين
أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الخلاف مع الإمارات إلى دائرة الضوء بعد اتهامها، مساء السبت (7 فبراير)، بمحاولة التدخل في الانتخابات ببلاده، في تصريح يعد امتداداً لموقف جزائري متشنج تجاه أبوظبي، بدأ يتصاعد منذ مايو 2025.
تصريحات تبون الضمنية تجاه الإمارات جاءت بالتزامن مع إعلان الجزائر إيقاف العمل باتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات، والتي تم التوصل إليها بين البلدين منذ العام 2013.
هذا التصعيد الجزائري ضد الإمارات يثير الكثير من الأسئلة، خصوصاً أنه يخرج للعلن فقط من قبل الجزائر، بينما تؤثر الإمارات عدم الانخراط في الأزمة من خلال تحاشي اتخاذ أي خطوات تصعيدية، على الأقل علناً.
تصعيد عملي
وفي الـ7 من فبراير الجاري، نشرت وكالة الأنباء الجزائرية خبراً أكدت فيه أن الجزائر باشرت في اتخاذ الإجراءات اللازمة لإلغاء الاتفاقية المتعلقة بالخدمات الجوية بينها وبين الإمارات، تلك الاتفاقية الموقعة في أبوظبي بتاريخ 13 مايو 2013، وصدر مرسوم رئاسي صادق عليها في 30 ديسمبر 2014.
وأشارت الوكالة إلى أنه "يتعين إخطار الطرف المتعاقد الإماراتي بالإلغاء عبر القنوات الدبلوماسية، موازاة مع إخطار الأمين العام لمنظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) للقيام بالإجراءات المطلوبة لدى هذه المنظمة".
وسرعان ما علقت الإمارات على هذا الإجراء، عن طريق الهيئة العامة للطيران المدني، والتي أكدت أنها تلقت إخطاراً من الجزائر بشأن قرار الإيقاف، مؤكدةً أنه "لا تأثير فوري على حركة الملاحة الجوية"، وأنها ستتعامل بمسؤولية ومهنية وفق الأطر القانونية والدبلوماسية المعتمدة.
وأضافت الهيئة أن "هذا الإجراء يأتي ضمن الآليات المنصوص عليها في أطر الاتفاقيات الدولية، ولا يترتب عليه أي تأثير فوري على حركة الرحلات الجوية"، مشيرةً إلى أن الاتفاقية ستظل سارية خلال المهلة القانونية المحددة، وتستمر العمليات الجوية بين البلدين بشكل طبيعي.
وتعليقاً على هذه الخطوة، نشرت صحيفة "الخبر" الجزائرية مقالاً للكاتب محمد الفاتح عثماني، تحدث عن أنه خلال أقل من 12 ساعة صدرت من الجزائر خطوتان تجاه الإمارات، الأولى إلغاء اتفاقية النقل الجوي، ما يعني غلق المجال الجوي الجزائري أمام الطيران الإماراتي، والخطوة الثانية التصريحات التي أطلقها الرئيس تبون خلال لقائه بوسائل الإعلام المحلية.
ولفت الكاتب، في المقال الذي نُشر في 8 فبراير الجاري، إلى أنه "من الممكن في القريب العاجل أن تتخذ الجزائر قراراً بقطع العلاقات بين البلدين، بما يترتب عليه من تبعات وإجراءات عديدة تمس مختلف الأصعدة".
اتهام مباشر
وخلال لقائه بوسائل الإعلام الجزائرية، مساء السبت 7 فبراير، اتهم تبون بشكل ضمني الإمارات بالسعي للتدخل في شؤون بلاده، قائلاً إن "علاقات الجزائر مع دول المنطقة العربية جيدة، بخلاف دولة، بل أسميها دويلة، لقد أرادوا أن يتدخلوا في الانتخابات الرئاسية الأولى، ثم الثانية"، في إشارة إلى الإمارات، وفق وسائل إعلام جزائرية.
وليست تلك المرة الأولى التي يهاجم فيها تبون الإمارات، إذ سبق أن أطلق تصريحات مماثلة، آخرها في أكتوبر 2025، حينما اتهم أبوظبي من دون تسميتها بالتدخل في شؤون بلاده الداخلية.
وفي يناير 2024، عبر المجلس الأعلى للأمن الجزائري عن أسفه إزاء ما أسماها "التصرفات العدائية تجاه الجزائر، الصادرة عن بلد عربي شقيق"، في حين قال تبون في مارس 2024، إن "أموال الإمارات حاضرة في كل بؤر التوتر، سواء في مالي أو ليبيا أو السودان".
ولفت الكاتب محمد الفاتح عثماني إلى أن التصعيد الجزائري يعكس عمق الانزعاج الجزائري من الدور الإماراتي في عدة ملفات وأزمات دولية وإقليمية وحتى داخلية، كمنطقة الساحل وليبيا والسودان.
وأشار أيضاً إلى ما أسماه "مساعي الإمارات للإضرار بمصالح الجزائر؛ منها عرقلة أبوظبي مقترحاً في مجلس الأمن للأمين العام للأمم المتحدة، سنة 2022، بتعيين وزير الخارجية السابق والسفير الحالي في واشنطن، صبري بوقادوم، مبعوثاً أممياً إلى ليبيا".
موقف الإمارات
وحتى اللحظة، لا يوجد موقف إماراتي رسمي ومعلن إزاء التصعيد الجزائري المستمر ضد أبوظبي، في حين فسر الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، هذا التصعيد بأنه يأتي "نكاية بدعم الإمارات لاستقرار وازدهار المغرب".
وقال عبد الله، في تدوينة على منصة "إكس": "الجزائر تقرر إلغاء اتفاقية جوية موقعة مع الإمارات نكاية بدعم الإمارات لاستقرار وازدهار المغرب، يقول المثل: اللي ما يبغينا ما نبغاه ومن لا يريدنا لا نريده ومن لا يريد شراكتنا لا نريد شراكته، هذا ينطبق على الجزائر ودول تود التغطية على فشل مشاريعها المليارية بافتعال معارك خارجية".
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن المحلل الجزائري علي بوخلاف، أن القرار الجزائري "يمكن أن يضر بمصالح شركة الإمارات للنقل الجوي؛ كونها تستخدم كثيراً المجال الجوي الجزائري عندما تقوم بتسيير رحلات إلى منطقة المغرب العربي ودول منطقة الساحل".
يرى بوخلاف أن الجزائر والإمارات تتجهان نحو قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، لافتاً إلى أن أبوظبي "لم تعلن عن أي إجراء ردعي ضد الجزائر، بل هذه الأخيرة هي التي تحركت بتهمة أن هذه الدولة الخليجية تحاول زعزعة استقرارها الداخلي عبر تدخلها في العديد من الأزمات مثل ليبيا ومنطقة الساحل ومالي وكذلك في قضية حركة الماك".
وذكر أن الجزائر "توظف الأزمة مع الإمارات من أجل الاستهلاك الداخلي وتوحيد الجبهة الداخلية لأن استثمارات الإمارات في الجزائر كبيرة، في الحقيقة، فهي تملك أسهماً في الشركة الجزائرية لصناعة التبغ وتقوم بتسيير بعض المطارات الجزائرية".
وقال موقع "ميدل إيست أونلاين" إن مقاربة الإمارات في هذا الملف "تعكس حرصها على الفصل بين الخلافات السياسية، إن وُجدت، وبين الالتزامات الاقتصادية والفنية التي تمس مصالح الأفراد والشركات".
وبيّن أنه رغم الخطاب الإعلامي الإماراتي الحاد فإن الإمارات "حافظت على موقف ثابت يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والالتزام بالقنوات الدبلوماسية في معالجة أي تباين في المواقف".
تصعيد غير مفاجئ
المحلل السياسي الجزائري إدريس ربوح بدوره قال إن التصعيد ليس مفاجئاً، بل كانت الجزائر سباقة في "كشف دور الإمارات" في العديد من الدول، حسب قوله.
ويوضح، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن تبون "عبّر عن هذا الموقف مبكراً عندما وصف الإمارات بالدويلة وأثنى على العلاقات مع بقية الدول الخليجية".
وتابع: "كما وصف الرئيس تبون الاتفاقات الإبراهيمية التي قادتها الإمارات بالهرولة نحو الكيان الصهيوني، ونبه إلى توظيف الإمارات للقدرات المالية لضرب الاستقرار في أكثر من بلد عربي وغيره.
وقال المحلل السياسي إدريس ربوح:
حتى وإن لم يذكر الرئيس بالاسم فقد ذكرت في وسائل الاعلام الرسمية والقريبة من الرئاسة بالاسم، بل وتم الهجوم عليها في سابقة في تاريخ البلدين بعيداً عن سلوك الجزائر الدبلوماسي المتميز بالصبر والهدوء وتصفية الأمور بعيداً عن الحملات الإعلامية.
من الصعب تجاوز الخلاف لأن المشهد أصبح واضحاً خاصة بعد الصرامة التي أبدتها السعودية مع الإمارات، ومن ثم دخول أبوظبي في أزمة مع أكبر بلدين في العالم العربي من ناحية الاستقرار السياسي والوضع الاقتصادي المريح.
تطورات الأحداث في هذا الشأن مرتبطة بتعاظم مساحة اللقاء بين الجزائر والسعودية، وهو ما يشجع الجميع على الابتعاد أكثر عن الإمارات.