في 2026/01/26
كمال صالح - الخليج أونلاين
كشف التفجير الذي استهدف قائداً عسكرياً رفيعاً في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، الأربعاء الماضي (21 يناير)، عن الخطورة التي يمثلها الملف الأمني، بعد التطورات الكبيرة التي شهدتها المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن.
التفجير أثار كثيراً من التساؤلات عن دلالة التوقيت، وما إذا كان ورقة يجري توظيفها لإضعاف موقف الحكومة وإفشال جهود التحالف بقيادة السعودية لتطبيع الأوضاع، وإعادة تعزيز سلطة الحكومة اليمنية وتمكينها من إدارة المناطق والموارد بكفاءة.
العملية التي هزّت عدن وأوقعت ضحايا، تزامنت مع ترتيبات حكومية وسعودية لإعادة توحيد القرار الأمني والعسكري، وإخراج التشكيلات المسلحة من المدن، في مسعى لإغلاق واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في اليمن خلال السنوات الماضية.
رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، خلال لقائه مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية، وضع التفجير في إطاره السياسي والأمني، مؤكداً أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في غياب الوصاية الأمنية، بل في استكمال بناء دولة بقرار سيادي واحد، قادرة على هزيمة الإرهاب ومعالجة جذوره.
موقف رئاسي
وخلال لقائه مع السفراء، الخميس (22 يناير)، عبّر العليمي عن استغرابه من الموقف الإماراتي الذي يروّج لسيناريو "الفراغ الأمني" بعد انسحاب قواتها، لافتاً إلى أن الوقائع على الأرض تدحض هذه المزاعم، وأن مؤسسات الدولة قطعت شوطاً ملموساً في توحيد القرار الأمني والعسكري.
وأشار إلى أنه "لا يمكن فصل الهجوم الإرهابي الأخير عن محاولات عرقلة هذا المسار"، لافتاً إلى أن "ازدواجية القرار الأمني وتعدد الولاءات، التي سادت خلال السنوات الماضية، لم تحارب الإرهاب بقدر ما أسهمت في إعادة إنتاجه وتغذيته".
وشدد على أن ما يجري هو انتقال حقيقي من إدارة الخطر إلى معالجة أسبابه، عبر إنهاء السجون غير القانونية، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وبناء منظومة أمنية وطنية موحدة، قادرة على حماية الاستقرار دون الحاجة إلى قوى موازية أو أجندات خارجية.
تطور خطير
الانفجار الذي استهدف موكب قائد الفرقة الثانية في ألوية العمالقة، العميد حمدي شكري، ونجا منه، اعتُبر تطوراً بالغ الخطورة، ليس فقط من حيث طبيعته الإرهابية، بل لتزامنه مع إجراءات إعادة انتشار القوات، وإخراج التشكيلات المسلحة التابعة للانتقالي المنحل من عدن.
وبحسب وسائل إعلام يمنية، فإن القيادي المستهدف يقوم بدور محوري في تثبيت الأوضاع الأمنية، وإعادة توزيع القوات، وتنفيذ قرارات الدولة المتعلقة بإخراج المعسكرات من المدن، وهو ما جعل استهدافه يحمل رسائل تتجاوز البعد الأمني إلى السياسي.
في المقابل، توالت بيانات الإدانة من مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، إلى جانب بيان تحالف دعم الشرعية، الذي توعّد بالضرب بيد من حديد كل من يسعى لخلط الأوراق أو تقويض وحدة الصف، مؤكداً استمرار الدعم للجهود اليمنية في ملاحقة المتورطين وتقديمهم للعدالة.
المشهد الأمني
التفجير جاء في ذروة مساعي الحكومة اليمنية والسعودية لإعادة ضبط المشهد الأمني في عدن وبقية المحافظات الجنوبية والشرقية، عبر توحيد القوات تحت مظلة الدولة، بإشراف اللجنة العسكرية العليا التي تشكلت مؤخراً تحت قيادة التحالف العربي.
وخلال الأسابيع الماضية، أُنجزت خطوات وُصفت بالمفصلية، شملت إخراج التشكيلات المسلحة من حضرموت والمهرة وشبوة، وصولاً إلى العاصمة المؤقتة عدن، في إطار تنفيذ قرارات سيادية طال انتظارها، واعتُبرت أساساً لأي معركة حقيقية ضد الإرهاب.
وتشير تقارير رسمية، نُشرت في وكالة "سبأ" الحكومية ووسائل إعلام يمنية، إلى تحسن ملحوظ في الخدمات والأمن، بالتوازي مع هذه الإجراءات، في تأكيد عملي على أن وجود الدولة، لا وجود المليشيات أو القوى الموازية، هو الضامن الفعلي للاستقرار ومكافحة التطرف.
اتهام سعودي
وفي ذروة الجدل حول دلالة الهجوم الإرهابي، لوحظ خطاب إعلامي سعودي يرى في الهجوم محاولة لعرقلة مسار الدعم السعودي لليمن، عبر استخدام ورقة الإرهاب، وذلك بعد تراجع نفوذ الإمارات الميداني وخروجها من المعادلة الأمنية.
واستدل ناشطون يمنيون وسعوديون بتصريحات أدلى بها القيادي السابق هاني بن بريك عبر قناة "سكاي نيوز عربية"، أشار فيها إلى عودة مؤكدة للإرهاب في جنوب وشرق اليمن، بعد مغادرة الإمارات وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل.
وقال المحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي إن "العملية الإرهابية التي استهدفت القيادي في ألوية العمالقة حمدي شكري، تؤكد مجدداً أن قوى الشر والعنف المدعومة من أبوظبي لا تزال تسعى لإغراق العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الجنوبية في دوامة الفوضى".
وأضاف في مقال على منصة "إكس"، أن "توقيت هذه الجريمة ليس بريئاً، فهو يأتي في مرحلة دقيقة يسعى فيها الجميع إلى ترتيب البيت الداخلي، وصرف رواتب الموظفين، وتهيئة بيئة آمنة للتنمية والاستقرار".
التحدي الأكبر
ووفقاً للعميد محمد عبد الله الكميم، الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني، فإن التفجير الأخير هو أحد السيناريوهات المتوقعة في الفترة القادمة، وهو أيضاً سيناريو تكرر كثيراً خلال فترة طويلة.
وأضاف الكميم، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أن هذه التفجيرات تُعد إحدى أدوات التعطيل التي مارسها المجلس الانتقالي المنحل خلال الفترة الماضية، كلما كانت هناك عودة للحكومة أو للرئيس أو للوزراء إلى عدن.
واعتبر هذه التفجيرات "أحد العناوين التي يعتمدها المجلس المنحل لتعطيل الأمن والاستقرار والتنمية في عدن، وهي أيضاً محاولة يائسة ومتوقعة في ظل ما يحدث في عدن، التي حاولوا دائماً جعلها بيئة غير آمنة، وإرسال رسائل تزعزع ثقة الشعب بالقيادة، كما حدث في محاولة استهداف القيادي حمدي شكري، الذي له دور بارز في حفظ أمن واستقرار عدن".
واستطرد قائلاً: "أعتقد أنها محاولة يائسة لعرقلة الأوضاع، في ظل إسناد التحالف العربي بقيادة المملكة لجهود تطبيع الأوضاع، وتعزيز الأمن والاستقرار، وبسط الأمن في عدن، تمهيداً للعودة المرتقبة للحكومة ومجلس الرئاسة، وتهيئة عدن لاستيعاب التمويلات المخصصة للبناء والتنمية في الفترة المقبلة".
وأكد أن الملف الأمني يُعد من أهم التحديات، إذ لا يمكن الحديث عن استقرار وتنمية، أو عن عودة للحكومة وتطبيع الأوضاع وعودة للسفراء، واستقرار الحكومة وأدائها لدورها بأريحية، دون تحقيق الأمن والاستقرار.
وقال العميد الركن محمد الكميم لـ"الخليج أونلاين":
الملف الأمني ملف محوري ورئيسي في هذه المرحلة، من خلال التركيز العالي على توحيد القوات العسكرية والأمنية، ومساعي إعادتها إلى الوعاء الرسمي للدولة، وبناء مفهوم الدولة الحقيقي، وإعادة بناء الكتلة الصلبة للدولة اليمنية عبر توحيد القوات العسكرية والأمنية، في إطار جهود الدولة، وبدعم من المملكة، حتى تستطيع الدولة أن تعمل بكل طاقتها في مختلف الاتجاهات.
وهو ملف مهم ورئيسي، ستكون لبنته الأساسية إعادة تشكيل القوات المسلحة والأمن على أسس حقيقية، وإجراءات مرتبطة بالعقيدة العسكرية للدولة اليمنية، ومرتبطة بغرفة عمليات واحدة.
توحيد القرار الأمني والعسكري يعد إحدى اللبنات الرئيسية لبناء الدولة اليمنية، وإنهاء حالة التفتيت والتقسيم التي فرضتها تلك التشكيلات، والتي أثرت بشكل مباشر على أدائها، نتيجة غياب التنظيم والتعاون، وعدم وجود غرفة عمليات موحدة، وتعدد الولاءات وغرف اتخاذ القرار. ولذلك، أعتقد أنه تحدٍ خطير ومستمر، سواء لهذه الحكومة أو للحكومات السابقة، وسيظل تحدياً قائماً لأي حكومة قادمة.
المستفيد الرئيسي من هذه العمليات هي مليشيات الحوثي بدرجة أساسية، وكذلك المجلس الانتقالي المنحل، الذي لا يريد الاستقرار لعدن، باعتباره أداة وظيفية لدولة باتت معروفة للجميع، تلك الدولة التي تسعى إلى إظهار عدن في مظهر الفوضى الأمنية، وعدم عكس أي صورة للأمن أو الاستقرار أو التنمية، رغم أنها كانت السبب الرئيسي في تعطيل التنمية
عمليات التفجير والاغتيالات تعد إحدى أدوات التعطيل التي مارسها "الانتقالي" لتكريس حالة الانفلات، والهدف منها خلق صورة سلبية عن الحكومة والأجهزة الأمنية، وعن دور المملكة العربية السعودية في اليمن.