في 2026/01/25
طه العاني - الخليج أونلاين
يعكس انعقاد الدورة الخامسة للجنة العليا الأردنية-القطرية المشتركة انتقال العلاقات الثنائية من مستوى التنسيق السياسي التقليدي إلى شراكة مؤسسية ذات أطر واضحة، تستند إلى لجان متابعة، ومذكرات تفاهم قطاعية، وجدول عمل محدد.
ويؤشر هذا المسار إلى رغبة مشتركة في تثبيت التعاون كسياسة مستدامة، لا ترتبط بالزيارات البروتوكولية فقط، بل تُبنى على أدوات تنفيذية تشمل الاقتصاد والسياحة والشباب والسياسة الخارجية، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية.
إطار مؤسسي
وتُعدّ اللجنة العليا الأردنية-القطرية منصة مركزية لإدارة العلاقات الثنائية، بما يضمن الانتقال من التفاهمات العامة إلى برامج تعاون قابلة للقياس والمتابعة.
وانعقدت اجتماعات الدورة الخامسة للجنة، بالعاصمة الأردنية عمّان، في 18 يناير 2026، برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
وتم خلال اللقاء تأكيد الجانبين أن انعقاد اللجنة يأتي ضمن مسار مؤسسي منظم يهدف إلى تعزيز التعاون في مختلف المجالات، وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اللقاءات القيادية السابقة بين قيادتي البلدين.
وخلال الاجتماعات، وُقّع محضر الدورة الخامسة للجنة العليا المشتركة، إلى جانب أربع مذكرات تفاهم عكست تنوع مجالات الشراكة، أبرزها:
- مذكرة تفاهم بين وزارتي الخارجية في البلدين بشأن المشاورات السياسية الثنائية، بما يرسّخ آلية تنسيق منتظمة حول القضايا الإقليمية والدولية.
- مذكرة تعاون في السياحة وفعاليات الأعمال، في خطوة تستهدف تنشيط حركة التبادل السياحي والاستثماري، خاصة في ظل تعافي القطاع السياحي في المنطقة.
- مذكرة تفاهم في الأوقاف والشؤون الإسلامية، بما يعزز التنسيق المؤسسي في إدارة الملفات الدينية.
- البرنامج التنفيذي الثاني لبروتوكول التعاون في مجال الشباب للأعوام (2026–2028)، بما يفتح المجال أمام برامج تبادل وبناء قدرات مشتركة.
وعلى هامش اجتماعات اللجنة، عُقد لقاء ثنائي موسّع ضم وزراء ومسؤولين من الجانبين، ناقش سبل تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، إلى جانب التأكيد على إدامة التواصل لمتابعة تنفيذ مخرجات اللجنة مع الجهات المختصة، بما يحوّل الاتفاقيات من نصوص موقعة إلى نتائج عملية على الأرض.
وفي الشق السياسي، عكس التنسيق الأردني-القطري تطابقاً في المواقف تجاه تطورات الإقليم، خصوصاً ما يتعلق بقطاع غزة، حيث جرى التشديد على ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وشدد البيان المشترك للجنة العليا على أهمية الدفع نحو أفق سياسي يستند إلى حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب بحث مستجدات الوضع في سوريا وضرورة دعم مسار إعادة البناء بما يحفظ وحدة البلاد وسيادتها.
علاقات عميقة
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور منذر الحوارات أن العلاقات الأردنية القطرية انتقلت من مرحلة حسن النوايا إلى حوكمة الشراكة، عبر أطر رسمية ولجان مشتركة وبرامج تنفيذية حوّلت التوافق السياسي إلى مشاريع قابلة للقياس.
ويضيف "الحوارات" لـ"الخليج أونلاين"، أن النهج القطري يعتمد على منصات واضحة تتابع الإنجاز وتضع جداول زمنية، ما يخلق ذاكرة مؤسساتية تقلل من تأثير تغير الحكومات أو تقلبات الإقليم.
ويشير إلى أن انعقاد اللجنة العليا الأردنية القطرية وتوقيع مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية متعددة يعكسان مستوى متقدماً من التنظيم، بما يرسّخ قنوات التنسيق بعيداً عن الارتجال.
ويبين أن تطابق المواقف السياسية بين الدوحة وعمّان، خصوصاً في ملفات حساسة مثل غزة، أسهم في بناء ثقة استراتيجية تقلل المخاطر السياسية، وتنعكس إيجاباً على التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ويلفت إلى أن توسيع أجندة اللجان الثنائية، بالتوازي مع التنسيق السياسي، يعزز الفهم المتبادل لطبيعة الشراكة، ويمهّد لتعاون أعمق يشمل مختلف المجالات، وفي مقدمتها الاقتصاد والاستثمار.
ويمثل انتقال التعاون من الإطار الحكومي إلى القطاع الخاص نقلة نوعية، حيث تهيئ الحكومتان البيئة القانونية، بينما يحوّل القطاع الخاص الاتفاقيات إلى استثمارات وفرص عمل وشبكات مصالح دائمة.
ويرى الدكتور منذر أن تعميق الترابط الاقتصادي يحمي العلاقة من التأثر بالأزمات السياسية، لأن المصالح تصبح جزءاً من الواقع الاقتصادي، مشيراً إلى أن نمو التبادل التجاري وتزايد الاستثمارات القطرية في الأردن يعكسان هذا المسار.
ويعتقد أن الاستثمارات القطرية في الأردن تعبّر عن رؤية بعيدة المدى تتجاوز الربح السريع، وتجمع بين العائد المالي والاستقرار والشراكة الإقليمية، ضمن سياسة تعتمد على القوة الناعمة وبناء علاقات عميقة.
ويخلص إلى أن رؤى الأردن وقطر تلتقي عند شراكة طويلة الأمد تقوم على الاستثمار المستدام والتفاهم السياسي العميق، بما يخدم استقرار البلدين ويعزز حضورهما الإقليمي.
شراكة متينة
وتتجاوز العلاقات الأردنية-القطرية البعد السياسي لتترسخ كمسار اقتصادي واستثماري متنامٍ، تحكمه اتفاقيات واضحة وأرقام تعكس تصاعد الشراكة على أرض الواقع.
وأشارت وكالة الأنباء الأردنية "بترا"، في 18 يناير الجاري، إلى أن عمّان والدوحة تواصلان ترسيخ نهج تصاعدي في التعاون الاقتصادي، مستندتين إلى توجيهات قيادتي البلدين، وهو ما تجلّى بوضوح خلال الاجتماعات الأخيرة.
ونوّهت إلى أن هذا المسار تُرجم عملياً عبر حزمة مذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية تستهدف توسيع آفاق الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بما يواكب أولويات التنمية في البلدين.
وعلى مستوى التبادل التجاري، بلغ حجم التجارة البينية بين الأردن وقطر منذ بداية عام 2025 وحتى نهاية أكتوبر نحو 190.1 مليون دينار أردني (نحو 268 مليون دولار)، مسجلاً نمواً يقارب 55% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر على تسارع حركة الصادرات والواردات وتوسع قاعدة السلع المتبادلة.
ووفق بيانات غرفة تجارة عمّان، بلغت الصادرات الأردنية إلى السوق القطرية خلال الفترة نفسها 100.5 مليون دينار أردني (نحو 142 مليون دولار)، مقابل مستوردات بقيمة 90.6 مليون دينار أردني (نحو 128 مليون دولار).
ويستورد الأردن من قطر مجموعة واسعة من السلع، أبرزها الألمنيوم الخام، واللدائن والمطاط ومشتقاتهما، والبوليمرات والإيثيلين، إلى جانب منتجات للصناعات الكيماوية والدوائية، ومعدات نقل، ومواد بصرية وغذائية.
وفي المقابل، تصدّر عمّان إلى الدوحة منتجات نباتية، وأدوية، ومحضرات غذائية، وحيوانات حية، ومنتجات نسيجية، وزيوتاً ودهوناً حيوانية ونباتية، بما يعكس تنوع القاعدة الإنتاجية الأردنية وحضورها في السوق القطرية.
أما على صعيد الاستثمار، فيُقدَّر حجم الاستثمارات القطرية في الأردن بنحو 3.19 مليارات دينار أردني (نحو 4.5 مليارات دولار)، موزعة على قطاعات حيوية تشمل الخدمات المالية، والعقارات، والسياحة، والطاقة، والصناعة.
وتؤدي هذه الاستثمارات دوراً محورياً في دعم النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل، ونقل الخبرات، وتطوير البنية التحتية، بما يعزز متانة الشراكة طويلة الأمد بين الجانبين.
ويستند هذا الزخم إلى شبكة واسعة من الاتفاقيات الثنائية، تشمل الاستثمار، والنقل الجوي والبحري، وتجنب الازدواج الضريبي، وحماية وتشجيع الاستثمارات، إضافة إلى التعاون الصحي والإعلامي والثقافي والسياحي.
كما أسهم إنشاء صناديق ومشاريع استثمارية مشتركة في دعم الاقتصاد الأردني وتنشيط سوق العمل، إلى جانب تنظيم أوضاع العمالة الأردنية في قطر بما يضمن حقوقها ويحسّن استقرارها المهني.
وتتكامل هذه الأبعاد الاقتصادية مع مذكرات تفاهم في مجالات التنمية الاجتماعية والعمل الخيري، والشباب والرياضة، والتبادل الأكاديمي، في إطار مؤسسي يهدف إلى تعميق التواصل بين المؤسسات الرسمية والأهلية، وتبادل الخبرات، وتمكين الموارد البشرية، بما يعكس انتقال العلاقات الأردنية-القطرية من التعاون الظرفي إلى شراكة تنموية متعددة المستويات.