في 2026/01/05
طه العاني - الخليج أونلاين
تتحرك العلاقات السعودية - التونسية بخطى عملية لإعادة ضبط مسارات التعاون الاقتصادي، عبر توسيع الأطر المؤسسية الناظمة للشراكة الثنائية وربطها بقطاعات جديدة تتجاوز التجارة التقليدية.
ويعكس انعقاد اللجنة المشتركة بين البلدين في الرياض توجهاً نحو شراكة أكثر تنوعاً، تمتد من الجمارك والتعدين إلى الإعلام وتبادل المحتوى، مع انخراط متزايد للقطاع الخاص.
بنية مؤسسية
وفي هذا الإطار، اختتمت بالرياض في 29 ديسمبر 2025، أعمال الدورة الـ12 للجنة المشتركة التونسية - السعودية، بتوقيع 5 اتفاقيات ومذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية، استهدفت تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، خصوصاً في مجالات الجمارك، والتعدين، والبريد، والإعلام.
وترأس اجتماعات اللجنة وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر بن إبراهيم الخريف، ووزير الاقتصاد والتخطيط التونسي سمير عبد الحفيظ، بمشاركة موسعة من ممثلي الجهات الحكومية في البلدين.
كما امتد نطاق المباحثات ليشمل ملفات التجارة والاستثمار، والتنمية، والطاقة المتجددة، والصناعة والتعدين، إلى جانب النقل والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، والبريد، والسياحة، والثقافة، والإعلام، فضلاً عن بحث قضايا ذات طابع تنظيمي مثل الشؤون القنصلية والأمنية والقضائية، وملفات الحج والعمرة والشؤون الإسلامية.
وعلى المستوى الاقتصادي والتجاري، دعت اجتماعات اللجنة إلى تسريع تنفيذ المبادرات المتفق عليها، وتفعيل دور مجلس الأعمال السعودي – التونسي المشترك، إضافة إلى التوسع في الاعتراف المتبادل بشهادات مطابقة المنتجات، بما يسهم في خفض العوائق الفنية أمام التبادل التجاري.
كما أشادت اللجنة بالنتائج الإيجابية لاجتماع فريق العمل المشترك للتعاون التجاري، المنعقد في تونس خلال يوليو 2025، والذي أسهم في تحقيق نمو لافت في حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 38% حتى سبتمبر 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب البيانات الصادرة عن الجانب التونسي.
شراكة متينة
وتتجه الشراكة السعودية - التونسية نحو تعميق بعدها الاستثماري، مع صعود دور القطاع الخاص كرافعة أساسية لترجمة التفاهمات الحكومية إلى مشاريع إنتاجية مستدامة.
ويرى الكاتب المهتم بالشؤون الأفريقية، محمد مصطفى جامع، أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الجديدة بين السعودية وتونس تعكس قدرة المملكة على أن تكون شريكاً فعالاً اقتصادياً على مستوى المنطقة وخارجها.
ويضيف لـ"الخليج أونلاين":
- السعودية تمتلك القدرة على أن تكون شريكاً اقتصادياً استراتيجياً لدول شمال أفريقيا، وتونس يمكن أن تكون جسر تعاون بين الخليج ومناطق المغرب العربي لتعزيز الاندماج الاقتصادي والتكامل التجاري.
- هذه الاتفاقيات تأتي ضمن جهود السعودية لتنويع الشراكات وفق "رؤية 2030"، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمارات وتقليل الاعتماد على النفط، بما يعكس التوجه الاستراتيجي نحو الشراكات متعددة المستويات.
- أهمية الاتفاقيات تمتد إلى مجالات اقتصادية واستراتيجية وتنموية وإعلامية، وتعكس رغبة البلدين في دفع الشراكة إلى مستوى أعمق، بعد تبادل زيارات رسمية على مستوى عالٍ، ما يعزز الثقة ويقوي التنسيق في المسارات الاقتصادية والسياسية.
- الاتفاقيات المتعلقة بالجمارك تسهم في تسريع الإجراءات وخفض التكاليف وتعزيز الأمن التجاري، فيما تدعم اتفاقيات البريد والإعلام تطوير الشبكات اللوجستية وتعزيز التجارة الإلكترونية وتبادل الخبرات الإعلامية، بما يشمل التدريب والمحتوى الثقافي والسياحي.
- تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشاريع إنتاجية يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة ولجنة مشتركة تضمن ربط الموارد والقدرات بالأسواق واستدامة المشاريع، بما يشمل إنشاء مناطق لوجستية مشتركة وتبسيط القواعد والإجراءات الإدارية.
- المشاريع المشتركة يمكن أن تشمل القطاعات التعدينية والزراعية والصناعية والسياحية، وتأسيس مصانع معالجة وتكرير للمواد، إضافة إلى دعم التجارة الإلكترونية وربط البريد بين البلدين وتبادل المحتوى الإعلامي والتسويقي.
- تكامل الصناعات بين البلدين يتيح إنشاء مشاريع مشتركة وتبادل الخبرات، سواء في المنتجات الزراعية مثل الزيتون والتمور أو الصناعات الغذائية والألبان، بما يحقق دمج المعرفة والخبرة ويخلق سلاسل قيمة صناعية مشتركة بدلاً من المنافسة.
- إدراج الإعلام ضمن الاتفاقيات الاقتصادية والصناعية يعكس أهمية القوة الناعمة، حيث يسهم الإعلام في تعزيز السمعة الاستثمارية وترويج المنتجات وبناء صورة إيجابية للشراكة، إضافة إلى جذب الرأي العام ودعم تنفيذ المشاريع الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
- التعاون الإعلامي بين السعودية وتونس يوفر منصة لتعزيز حضور المنتجات التونسية في السوق الخليجية، كما يدعم الترويج السياحي والمنتجات الاقتصادية، ويحول الاتفاقيات إلى أداة لتعزيز النضج والوعي الاقتصادي والثقافي والإعلامي في البلدين.
زخم استثماري
سجّلت الاستثمارات السعودية في تونس نمواً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، لتدخل المملكة ضمن أكبر 10 دول مستثمرة بإجمالي تجاوز 375 مليون دولار حتى نهاية 2024، بحسب ملتقى الأعمال السعودي – التونسي الذي اختتم يوم 29 ديسمبر 2025.
ونظم الملتقى بمبادرة من وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية وبالتعاون مع وزارة الاستثمار واتحاد الغرف السعودية، بمشاركة أكثر من 300 ممثل من القطاعين العام والخاص، ما يعكس اتساع الاهتمام وفرص الشراكة.
كما أكد بندر الخريف أن "الملتقى يشكل منصة عملية لتحويل الفرص إلى مشاريع ذات أثر اقتصادي، مع الرهان على القطاع الخاص لقيادة النمو في الصناعات المتقدمة والسياحة والطاقة المتجددة والتعدين، ضمن دور حكومي داعم وميسر".
بدوره، أشار سمير عبد الحفيظ إلى جاهزية تونس لاستقطاب استثمارات نوعية بفضل كفاءاتها وقدرتها على تنفيذ المشاريع الكبرى، خاصة في الطاقات المتجددة وصناعات السيارات والطائرات والدواء والغذاء.
كما شدد رئيس مجلس الأعمال السعودي – التونسي، عمر العجاجي، على دور القطاع الخاص في تعميق التعاون وبناء شراكات في الصناعة والتقنية وسلاسل الإمداد، فيما دعا سمير ماجول، رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، إلى بيئة تنظيمية أكثر جاذبية وشراكات طويلة الأمد تعزّز التبادل التجاري والاستثماري.
ويعكس هذا الحراك توافقاً سعودياً–تونسياً على شراكات اقتصادية فاعلة تدعم تنويع الاقتصاد وفق رؤية السعودية 2030 ومسارات التنمية المستدامة في البلدين.