علاقات » اوروبي

الإمارات تتحصّن من هرمز بأنابيب توتال .. هل تدفع أبوظبي ثمن رهاناتها الجيوسياسية؟

في 2026/08/24

وكالات

تتجه أبوظبي إلى إبرام صفقة جديدة مع شركة “توتال إنيرجيز” الفرنسية لتوسيع خط أنابيب تصدير النفط عبر ميناء الفجيرة، بما يعزز قدرة الإمارات على نقل جزء من صادراتها النفطية بعيدا عن مضيق هرمز، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف الإماراتية من تداعيات التوترات في المضيق.

ورغم الطابع التقني للمشروع، فإن توقيته ودلالاته يتجاوزان مسألة تطوير البنية التحتية النفطية، إذ يأتيان في ظل تزايد القيود والمخاطر المرتبطة بالملاحة في هرمز، بما يدفع دول الخليج وشركات الطاقة إلى البحث عن مسارات بديلة تضمن استمرار تدفق صادراتها.

تملك الإمارات أصلا بنية لنقل النفط من مناطق الإنتاج إلى الفجيرة الواقعة على ساحل خليج عُمان، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز عند تصدير جزء من الخام. ويعني توسيع هذه القدرات أن أبوظبي تحاول تعزيز هامش المناورة أمام أي اضطراب محتمل في أحد أهم الممرات البحرية العالمية. لكن اللجوء المتزايد إلى هذه البدائل يطرح سؤالا سياسيا أوسع: هل أصبحت دول الخليج، رغم ما تنفقه على التسليح والشراكات الأمنية، مضطرة إلى إعادة بناء منظومة تصديرها تحسبا لاضطرابات لا تستطيع ضمان منعها؟

بالنسبة إلى الإمارات، تبدو الإجابة أكثر حساسية، خصوصا أن أبوظبي قدّمت نفسها خلال السنوات الماضية بوصفها لاعبا إقليميا قادرا على التأثير في ملفات المنطقة، من اليمن إلى ليبيا، وعلى بناء شبكة واسعة من التحالفات الأمنية والسياسية.

غير أن تصاعد المخاطر حول هرمز يذكّر بأن النفوذ السياسي والعسكري لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم في البيئة الأمنية المحيطة.

ولا يقتصر البحث عن البدائل على الإمارات. فقد كشف الرئيس التنفيذي لـ”توتال إنيرجيز”، باتريك بويان، خلال مؤتمر للطاقة، عن توجه الشركة إلى تمويل مشاريع وخطوط أنابيب بديلة لتجاوز تداعيات التوترات الإقليمية، مشيرا إلى إمكانية نقل النفط عبر العراق وسوريا وصولا إلى البحر المتوسط.

وتكشف هذه التصريحات عن تحول أمن مسارات الطاقة إلى أولوية متقدمة لدى شركات النفط الكبرى، التي باتت تنظر إلى الجغرافيا السياسية للمنطقة باعتبارها عاملا مباشرا في حسابات الاستثمار والتصدير. لكن المفارقة أن هذه المسارات البديلة نفسها تمر عبر مناطق تعاني تعقيدات سياسية وأمنية كبيرة، ما يعني أن تجاوز هرمز لا يلغي المخاطر، بل قد ينقلها إلى ساحات أخرى.

تسعى أبوظبي، مثلها مثل بقية العواصم الخليجية، إلى تقليل تعرض اقتصادها لصدمات الجغرافيا السياسية. وهذا هدف مفهوم من الناحية الاقتصادية، لكن السؤال الأهم يتعلق بجذور المشكلة. فالاعتماد الكبير على صادرات الطاقة يجعل أمن الممرات البحرية قضية استراتيجية بالنسبة إلى الإمارات، مهما حاولت تنويع اقتصادها. ومن هنا، فإن إنشاء مسارات بديلة قد يوفر هامش حماية إضافيا، لكنه لا يلغي هشاشة الاعتماد على بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

والأهم أن السياسات الأمنية لا تُقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري أو عدد الشراكات الدولية، بل بقدرة الدولة على خلق بيئة إقليمية مستقرة تقلل أصلا من احتمالات تعطل مصالحها الحيوية.

ما يجري في الفجيرة، بالتالي، لا ينبغي اختزاله في صفقة أنابيب جديدة. فهو جزء من سباق أوسع لإعادة رسم مسارات الطاقة في المنطقة، في ظل إدراك متزايد بأن أي اضطراب في هرمز يمكن أن يترك آثارا تتجاوز دول الخليج إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وقد تتمكن الإمارات من تعزيز قدرتها على تصدير النفط عبر الفجيرة، وقد تجد الشركات الغربية مسارات أخرى عبر العراق وسوريا، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال السياسي الأوسع: هل تستطيع دول الخليج حماية مصالحها الاستراتيجية عبر توسيع البنية التحتية وحدها، أم أن أمن الطاقة يبدأ قبل الأنابيب، من خلال سياسات إقليمية تقلل أسباب التوتر بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه؟

فالأنبوب قد يتجاوز المضيق، لكنه لا يستطيع وحده تجاوز تداعيات الجغرافيا السياسية التي جعلت من هرمز ورقة قوة تتجاوز حدود الدول المطلة عليه.