علاقات » اوروبي

التحوط بإنتاج الذهب.. مقاربة عُمانية جديدة لإدارة المخاطر العالمية

في 2026/01/30

طه العاني - الخليج أونلاين

تتجه سلطنة عُمان إلى إعادة تعريف إدارة احتياطاتها الاستراتيجية في ظل بيئة مالية عالمية تتسم بتقلبات حادة في أسعار المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الذهب، الذي عاد ليشغل موقعاً محورياً كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين الاقتصادي.

وفي هذا السياق يبرز خيار الذهب المحلي كأداة جديدة ضمن سلة أدوات الاستقرار المالي، لا بوصفه مورداً تجارياً فحسب، بل كجزء من تصور أوسع لتعزيز المظلة الوقائية للاقتصاد العُماني، وتقليص التعرض لمخاطر الأسواق الخارجية.

إنتاج الذهب

ويعكس توجه عُمان لإنتاج الذهب، عبر الاستثمار في المناجم الإنتاجية، إعادة ضبط لأدوات بناء الاحتياطي السيادي، في محاولة لتقليص كلفة الشراء الخارجي وتعزيز الاستقرار المالي بعيداً عن تقلبات السوق.

يتقدم جهاز الاستثمار العُماني بخطى عملية نحو بناء احتياطي ذهبي قائم على الإنتاج المباشر، في ظل الارتفاع الحاد لأسعار الذهب عالمياً، وهو ما أعاد رسم أولويات إدارة الأصول الاستراتيجية للسلطنة بعيداً عن الاعتماد على الأسواق المفتوحة.

وفي مقابلة مع إذاعة "الوصال" العُمانية، في 15 يناير 2026، أوضح رئيس جهاز الاستثمار العُماني عبد السلام المرشدي أن شراء الذهب من الأسواق العالمية لم يعد خياراً اقتصادياً فعالاً، مع وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة تجعل تكوين مخزون مستقر عالي التكلفة، ما دفع السلطنة إلى تبني خيار الإنتاج الذاتي كبديل أكثر كفاءة واستدامة.

ويرتكز هذا التوجه على الاستثمار في المناجم الغنية بالمعدن الأصفر عبر اتفاقيات امتياز، خصوصاً في الدول التي تربطها بعُمان علاقات مستقرة، بما يسمح بتجاوز مراحل الاستكشاف المكلفة، وتسريع الوصول إلى الإنتاج الفعلي، وتقليص المخاطر التشغيلية.

وفي هذا السياق برز الانفتاح العُماني على القارة الأفريقية كمسار استراتيجي، حيث تُعد أفريقيا من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية، وتحتضن معادن تُشكّل قاعدة أساسية لصناعات المستقبل.

ويستند الحضور العُماني هناك إلى سجل دبلوماسي متوازن وحياد سياسي جعل استثمارات السلطنة مقبولة في العديد من الدول، إلى جانب نموذج شراكة يقوم على نقل المعرفة وتحقيق أثر تنموي محلي، على عكس تجارب استثمارية أخرى لم تترك قيمة مضافة حقيقية في البلدان المضيفة.

وأشار المرشدي إلى أن بناء احتياطيات من الذهب والمعادن يمثل أحد الأهداف المباشرة لاستثمارات الجهاز في أفريقيا، بدلاً من شراء الذهب بأسعار مرتفعة من الأسواق، لافتاً إلى أن السلطنة دخلت فعلياً لاعباً في الذهب والنحاس والألماس، وبدأت تجني نتائج إيجابية على مستوى الإنتاج والمبيعات وصافي الأرباح.

وفيما يتعلق بالمخاطر أكد أن الجهاز يعتمد مبدأ "المخاطرة المحسوبة"، من خلال دراسة دقيقة للجوانب الأمنية والتشريعية في الدول المستضيفة، بما يضمن القدرة على حماية الاستثمارات أو الحد من الخسائر في حال حدوث طوارئ، دون الانكفاء أو ترك الساحة لدول أخرى أكثر جرأة.

مورد استراتيجي

ويقول الخبير الاقتصادي د. أحمد ذكر الله إن التنقيب عن الذهب يندرج ضمن التوجه العام لعُمان نحو تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، بما يعزز قدرته على مواجهة الصدمات العالمية، خصوصاً تقلبات أسعار النفط.

ويؤكد الدكتور أحمد في حديثه مع "الخليج أونلاين" أن هذا التوجه منح الصناعات التعدينية، والذهب تحديداً، أهمية متزايدة بوصفه مورداً استراتيجياً.

ويوضح أن الحكومة تعمل على تشجيع الشركات المختلفة على الاستثمار في التعدين، بهدف استثمار الثروات المعدنية الوطنية، ودعم التنويع الاقتصادي، وتعزيز النمو والاحتياطيات الوطنية على المدى الطويل.

ويشير إلى أن إنتاج الذهب محلياً يحقق فوائد مهمة، أبرزها:

تقليل مخاطر تقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل التوريد.
إمكانية تحويل جزء من الإنتاج إلى احتياطيات نقدية.
خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة.
تحفيز الاستثمارات المحلية.

ويلفت إلى أن الأثر الكلي لهذه الفوائد يظل مرتبطاً بحجم الإنتاج المحلي مقارنة بحجم الاقتصاد، موضحاً أن مستويات الإنتاج الحالية لا تزال محدودة، ما يجعل تأثيرها المباشر على الاستقرار النقدي محدوداً في الأجلين القصير والمتوسط.

ويضيف إلى أن إدارة الإنتاج تتم بإشراف جهات حكومية وشركات مملوكة للدولة، وبمشاركة شركاء محليين وخبراء دوليين، حيث يجري تطوير حقوق الاستكشاف ومنح التراخيص وتشجيع المستثمرين.

ويرى الخبير الاقتصادي أن الوصول إلى إنتاج تجاري واسع يتطلب توسعات إضافية واستثمارات طويلة الأمد، مؤكداً أن هذا المسار يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة.

ويعتقد أن مساهمة الذهب في أدوات التحوط وحماية الاقتصاد من التقلبات العالمية تصبح ممكنة إذا بلغ الإنتاج مستويات كافية، بما يسمح بدمج جزء منه في الاحتياطيات الرسمية أو استخدامه في أدوات تمويلية مدعومة بالذهب.

ويؤكد أن الذهب العُماني يمثل فرصة حقيقية لتنويع مصادر الدخل وتعزيز مرونة السياسة النقدية، مشدداً على أن تحقيق الأثر الكلي يتطلب تحويل الاكتشافات والإنتاج إلى سياسات اقتصادية مدروسة، بما يحوّل الإمكانات الجيولوجية إلى مظلة أمان اقتصادية ملموسة مع مرور الوقت.

احتياطي وقائي

وتعكس حركة الذهب في الميزان العُماني توجّهاً تحوّطياً مدروساً يوازن بين الاستقرار النقدي وتقلبات الأسواق العالمية.

وشهدت سلطنة عُمان، خلال العامين الماضيين، تحولاً لافتاً في سياستها تجاه الذهب، بوصفه أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات، حيث قامت بشراء 4.4 أطنان من الذهب، ما أسهم في رفع احتياطي الذهب لدى البنك المركزي العُماني إلى نحو 6.73 أطنان، وفق بيانات رسمية.

ويأتي هذا التوجه بعد أن كانت السلطنة قد باعت غالبية احتياطاتها الذهبية في بداية الألفية، قبل أن تعود إلى الشراء مجدداً بعد عام 2021، على وقع الأزمات الجيوسياسية المتتالية، وتقلبات أسواق المال، وتصاعد المخاطر العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد والعملات.

وبحسب بيانات نشرتها وكالة الأنباء العُمانية، في 8 مارس 2025، تجاوزت قيمة الأصول الأجنبية والسبائك الذهبية لدى البنك المركزي العُماني 7 مليارات ريال عُماني (نحو 18.2 مليار دولار) بنهاية ديسمبر 2024، مسجلة نمواً سنوياً بنسبة 4.9% مقارنة بديسمبر 2023، في مؤشر على ارتفاع ثقة المؤسسات الدولية بمتانة الاقتصاد العُماني.

وعلى مستوى حركة التجارة، كشفت البيانات المبدئية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن قيمة واردات الذهب حتى نهاية يوليو 2025 بلغت نحو 179.7 مليون ريال عُماني (نحو 467 مليون دولار)، مقارنة بـ 249.2 مليون ريال عُماني (نحو 648 مليون دولار) خلال الفترة نفسها من عام 2024، بانخفاض نسبته 28%.

فيما بلغ الوزن المستورد 5908 كيلوغرامات، وتصدرت الإمارات قائمة الدول المصدّرة للذهب إلى عُمان، تلتها السودان والبحرين.

وفي المقابل تراجعت قيمة صادرات الذهب خلال الفترة ذاتها إلى 19.9 مليون ريال عُماني (نحو 51.7 مليون دولار)، مقابل 25.3 مليون ريال عُماني (نحو 65.8 مليون دولار) في 2024، بانخفاض نسبته 21%، وبلغ الوزن المصدَّر 671 كيلوجراماً، مع تصدر الإمارات الوجهات، تليها الولايات المتحدة والعراق.

أما إعادة التصدير فقد سجلت انخفاضاً أوضح، حيث بلغت قيمتها نحو 53 مليون ريال عُماني (نحو 137.8 مليون دولار) حتى نهاية يوليو 2025، مقارنة بـ 89.5 مليون ريال عُماني (نحو 232.7 مليون دولار) في الفترة المقابلة من 2024، بانخفاض نسبته 41%.