في 2026/07/11
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
دخلت الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، مع تصاعد التحركات الإقليمية والدولية لمنع انزلاق الأزمة إلى مواجهة أوسع تهدد أمن الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
فبينما تتبادل واشنطن وطهران الرسائل العسكرية والسياسية، تتصدر خلف الكواليس قطر وباكستان، بدعم من دول إقليمية أخرى، مساعي إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من مسار التهدئة الذي تعرض لانتكاسة، خلال الأيام الماضية.
كما تشير المؤشرات الصادرة من الدوحة وإسلام آباد، رغم حدة التصعيد، إلى أن خيار الدبلوماسية لم يغب عن حسابات الجانبين، وهو ما يمنح الوسطاء هامشاً للتحرك، وإن كان في ظل ظروف أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
تصعيد متبادل
جاءت موجة التصعيد الأخيرة بعد تعثر المحادثات بخصوص الملاحة في مضيق هرمز، إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات استهدفت عشرات المواقع العسكرية الإيرانية، قالت إنها تهدف إلى تقويض القدرات المستخدمة في تهديد الملاحة الدولية، فيما أعلنت إيران الرد باستهداف مواقع وقواعد أمريكية في الخليج.
واستهدف الجيش الأمريكي، خلال يومي 7 و8 يوليو، قرابة 170 هدفاً إيرانياً تراوحت ما بين أهداف أرضية كمراكز رصد، وملاحة، وتخزين صواريخ ومسيرات، أو زوارق يستخدمها الحرس الثوري لتنفيذ هجمات.
وجاء التصعيد بعد استهداف إيران لثلاث سفن بالقرب من مضيق هرمز (الثلاثاء 7 يوليو)، إحداها ناقلة الغاز القطرية "الركيات"، وتسبب الاستهداف في وقوع أضرار بالغة فيها، وناقلة النفط السعودية "وديان" التي تعرضت هي الأخرى لأضرار.
هذه الهجمات دفعت الرئيس الأمريكي إلى إعلان انتهاء مذكرة التفاهم مع طهران على هامش قمة الناتو في تركيا (الأربعاء 8 يوليو)، واصفاً قادة إيران بـ"المخادعين".
وتحذر عواصم الخليج من أن استمرار المواجهة ستكون له تداعيات مباشرة على الاستقرار الإقليمي، ليس فقط بسبب المخاطر الأمنية، بل أيضاً نتيجة انعكاساته على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ولهذا ركزت الاتصالات الخليجية الأخيرة على ضرورة حماية الملاحة البحرية، ومنع استهداف السفن التجارية، والحفاظ على انسياب صادرات النفط والغاز بعيداً عن الصراع العسكري.
رسائل متبادلة
تؤكد واشنطن أنها ما تزال تمنح الدبلوماسية فرصة، فيما تشدد إيران على أهمية استمرار الاتصالات السياسية، ما يعكس وجود مسارين متوازيين؛ أحدهما عسكري لفرض أوراق الضغط، والآخر تفاوضي لتجنب حرب مفتوحة.
إذ أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة وافقت على مواصلة المحادثات مع إيران، لكنها أبلغت طهران "بعبارات لا لبس فيها" أن وقف إطلاق النار انتهى.
وقال ترامب عبر منصة "تروث سوشيال"، الجمعة 10 يوليو، إن إيران طلبت من الولايات المتحدة مواصلة المحادثات، مضيفاً: "وافقنا على ذلك، لكن الولايات المتحدة أوضحت لهم -وبكل حزم- أن وقف إطلاق النار قد انتهى".
بالتزامن مع ذلك نقلت وكالة "رويترز" عن مصدر مطلع، الجمعة 10 يوليو، قوله إن مفاوضين قطريين يجرون لقاءات في إيران مع مسؤولين إيرانيين، في إطار مساعٍ لخفض التصعيد وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وأضاف المصدر أن المحادثات تركز على تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب بحث القضايا التي أدت إلى التصعيد الأخير بين الجانبين.
فيما شدد مسؤول أمريكي لوكالة "بلومبيرغ" على أن المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال مستمرة بهدف التوصل إلى اتفاق سلام دائم.
وفي المقابل دعت وزارة الخارجية الباكستانية جميع الأطراف إلى الالتزام بضبط النفس، مؤكدة أنه "لا يوجد بديل عن الحوار والدبلوماسية"، وحثت واشنطن وطهران على احترام التفاهمات السابقة باعتبارها أساساً يمكن البناء عليه لإعادة الاستقرار.
كما شددت مصادر إقليمية على أن قطر وباكستان تواصلان اتصالات مكثفة مع الطرفين لإعادة إطلاق مسار المفاوضات، مستفيدتين من الدور الذي لعبتاه في جولات الوساطة السابقة، إلى جانب مساهمات سلطنة عُمان في تسهيل الاتصالات غير المباشرة.
لحظة خطرة
وتمثل جولة التصعيد الأخيرة، الأخطر منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار منتصف أبريل الماضي، بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الاتفاق الذي مثل انفراجة وشيكة نحو إنهاء الحرب.
وبالرغم من إعلان واشنطن وطهران تفضيلهما لمسار المفاوضات، ومحاولة تجنب الوصول إلى نقطة اللاعودة في التصعيد، فإن الولايات المتحدة تحشد قرابة 19 قطعة بحرية ما بين بوارج قتالية وحاملة طائرات بالقرب من إيران، في مشهد يقرأ على استعدادها لـ"توجيه ضربة حاسمة" ضدها.
وفي هذا الصدد يرى الدكتور خالد الجابر، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة، أن "ما يجري لم يعد مجرد خلاف حول البرنامج النووي، بل صراع على إعادة رسم قواعد الردع في الشرق الأوسط".
وأشار الجابر، في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن "الأخطر حالياً أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع"، لافتاً إلى أنه "في هذا المشهد تواجه الوساطة القطرية والباكستانية مهمة بالغة الصعوبة؛ لأن المشكلة لم تعد في غياب قنوات الاتصال، بل في انعدام الثقة وإصرار كل طرف على فرض شروطه بالقوة قبل العودة إلى طاولة التفاوض".
واستطرد قائلاً:
- تتواصل التحركات القطرية والباكستانية، إلى جانب جهود أطراف إقليمية أخرى، بهدف إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والحيلولة دون انهيار المسار السياسي بالكامل، رغم تبادل الضربات وتصاعد حدة التصريحات.
- كما تستمر الاتصالات الفنية المرتبطة بالتفاهمات السابقة، بما يؤكد أن باب الدبلوماسية لم يُغلق نهائيًا حتى الآن.
- لا يمكن حماية أي اتفاق إذا بقي حبراً على ورق، الضمان الحقيقي يبدأ بوقف جميع الأعمال العسكرية، واحترام سيادة دول المنطقة، وتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإنشاء آلية رقابة واضحة تُحمّل الطرف الذي يخرق الاتفاق المسؤولية السياسية والقانونية.
- أما الاتفاقات التي توقع نهاراً وتُخرق ليلاً، فلن تنتج إلا جولة جديدة من التصعيد.
- السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار سياسة "حافة الهاوية"، تصعيد محسوب ورسائل عسكرية متبادلة مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
- أما إذا انهارت الوساطات فإن المنطقة قد تدخل مرحلة أكثر خطورة تمتد من مضيق هرمز إلى أمن الطاقة والملاحة الدولية، بما يجعل أي مواجهة مقبلة أكثر كلفة وتعقيداً من سابقاتها.