في 2026/06/20
يوسف حمود - الخليج أونلاين
كشفت تصريحات رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية ياسر الرميان عن ملامح توجه جديد في استراتيجية أكبر شركة نفط في العالم، بعدما أعلن أنها تدرس إنشاء مرافق تخزين أوسع حول العالم، إلى جانب ما تمتلكه حالياً في عدد من الأسواق الدولية.
وجاءت هذه التصريحات عقب أشهر من الحرب التي شهدتها المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، وما رافق ذلك من اضطرابات واسعة في حركة الطاقة والتجارة العالمية.
وربط الرميان هذا التوجه بتجربة الحرب الأخيرة، مؤكداً أن خط أنابيب شرق–غرب، إضافة إلى الاحتياطيات الاستراتيجية التي تمتلكها المملكة خارجياً، أسهما في تفادي أزمة أكبر في الأسواق العالمية خلال فترة تعطل الملاحة عبر هرمز.
ماذا كشفت أزمة هرمز؟
أعادت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز لنحو 3 أشهر طرح أسئلة جوهرية حول أمن الطاقة العالمي، خصوصاً أن المضيق يعد أحد أهم ممرات النفط في العالم.
وخلال الأزمة تعرضت حركة الشحن لاضطرابات واسعة، فيما واجهت الأسواق مخاوف متزايدة بشأن تدفق إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج.
وفي هذا السياق قال الرميان خلال قمة "الأولوية-أوروبا 2026" في العاصمة الإيطالية روما (الخميس 18 يونيو) إن التخطيط طويل الأمد الذي تبنته "أرامكو" منذ عقود أسهم في حماية الأسواق العالمية من تداعيات أشد خطورة، مشيراً إلى أن "إنشاء خط أنابيب شرق-غرب في ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى الاحتياطيات الاستراتيجية الموجودة خارج المملكة، ساعد في الحد من آثار الأزمة".
وتعكس هذه التصريحات إدراكاً متزايداً داخل قطاع الطاقة بأن الاعتماد على ممر بحري واحد لم يعد كافياً لضمان استقرار الإمدادات، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية المتكررة التي تشهدها المنطقة وما تفرضه من مخاطر على حركة التجارة العالمية.
وبرز خط أنابيب شرق-غرب خلال الحرب بوصفه أحد أهم الأدوات التي استخدمتها السعودية للحفاظ على تدفق صادراتها النفطية، وينقل الخط الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز.
وعمل الخط خلال الحرب، وفق ما ذكرت وكالة "بلومبيرغ" في مارس الماضي، بطاقته القصوى التي تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، ما سمح باستمرار تدفق كميات كبيرة من النفط إلى الأسواق العالمية رغم تعطل الملاحة في الخليج.
شبكة تخزين خارجية
كشف الرميان أيضاً عن أن "أرامكو" تمتلك بالفعل مرافق تخزين في عدد من الأسواق العالمية، خاصة في آسيا، مشيراً إلى "كوريا الجنوبية واليابان بوصفهما من أبرز المواقع التي تحتفظ فيها الشركة بمخزونات استراتيجية من الخام السعودي".
كما جاءت تصريحاته عقب توقيع مذكرة تفاهم بين السعودية وكوريا الجنوبية (14 يونيو) تضمنت زيادة كميات النفط الخام السعودي المخزنة في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الكوري، بما يسهم في تعزيز أمن الإمدادات ورفع مرونة سلاسل التوريد للطرفين.
وتكتسب هذه المرافق أهمية خاصة؛ لأنها تتيح للشركة الاحتفاظ بكميات من النفط بالقرب من مراكز الطلب الرئيسية، ما يختصر زمن التسليم ويقلل تأثير أي اضطرابات قد تصيب طرق النقل أو الممرات البحرية الدولية.
كما لا تقتصر أهمية هذه المخزونات على الجانب التجاري فقط، بل تؤدي دوراً استراتيجياً في حالات الطوارئ، إذ تسمح باستمرار التوريد للعملاء حتى في حال تعرض طرق الشحن أو الإنتاج أو النقل إلى اضطرابات مؤقتة.
من التصدير إلى تأمين الإمدادات
يرى المختص في شؤون الطاقة حمدي ثابت أن تصريحات الرميان بشأن إنشاء مرافق تخزين أكبر حول العالم "تحمل دلالة تتجاوز مجرد زيادة السعات التخزينية"، إذ تشير إلى توجه أوسع يركز على تأمين الإمدادات العالمية وليس فقط تأمين عملية التصدير من المملكة.
ويوضح في حديثه لـ"الخليج أونلاين":
- في النموذج التقليدي كان الهدف الأساسي يتمثل في إنتاج النفط، وشحنه من الموانئ السعودية إلى المشترين.
- اليوم تبدو "أرامكو" معنية أيضاً بضمان وجود الخام بالقرب من الأسواق النهائية، بحيث يمكن تلبية الطلب حتى في حال وقوع أزمات أو اضطرابات مفاجئة.
- يعزز هذا التوجه قدرة الشركة على التعامل مع تقلبات الأسواق وسرعة الاستجابة للطلب، خاصة في آسيا التي تمثل أكبر وجهة لصادرات النفط السعودي وتضم عدداً من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.
- هذه الخطوة تعني أن التخزين الخارجي أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإدارة المخاطر، التي تعتمد على تنويع مسارات النقل ومواقع التخزين ومراكز التوزيع، بما يرفع موثوقية الإمدادات ويحد من تأثير الأزمات الجيوسياسية.
- يمنح هذا النوع من الاتفاقات الخام السعودي حضوراً أقرب إلى مراكز الاستهلاك الآسيوية.
- كما يوفر للدول المستوردة إمكانية الوصول السريع إلى الإمدادات في حالات الطوارئ، وهو ما يعزز مكانة المملكة كمورد موثوق للطاقة.
- أيضاً تتماشى هذه السياسة مع التوجه العالمي نحو بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة بعد سلسلة الأزمات التي شهدها العالم، خلال السنوات الأخيرة، سواء في قطاع الطاقة أو التجارة أو النقل البحري.
- يبدو أن السعودية تؤكد بهذه الخطوات استمرار دورها كأكبر مصدر للنفط في العالم، وتوحي المؤشرات الحالية بأن المرحلة المقبلة قد تشهد توسعاً أكبر في بناء شبكات التخزين والتوزيع الخارجية.
- هذا يجعل المملكة لا تؤمن تصدير النفط فحسب، بل تسهم أيضاً في تأمين استقرار الإمدادات العالمية نفسها.