في 2026/06/10
وكالات
قبل أيام قليلة فقط من انطلاق بطولة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بدأت ملامح أزمة تنظيمية تطفو على السطح، بسبب الجوانب اللوجستية، التي تشمل جودة الملاعب، ودرجات الحرارة المرتفعة، وراحة الجماهير.
يأتي ذلك وسط مقارنات متزايدة مع النسخة السابقة التي استضافتها قطر عام 2022، والتي حظيت بإشادات واسعة على مستوى البنية التحتية والتنظيم الميداني.
وفي الوقت الذي تراهن فيه الولايات المتحدة وشريكتاها على تقديم أكبر مونديال في التاريخ بمشاركة 48 منتخباً، تبدو التحديات المرتبطة بالمسافات الشاسعة والطقس القاسي وتجهيز الملاعب وكأنها اختبار حقيقي لقدرة المنظمين على إدارة بطولة بهذا الحجم.
مشكلة الأرضيات
في مشهد لافت لم يتوقعه كثيرون، اضطر المنتخب الياباني إلى مغادرة ملعب تدريبه في المكسيك قبل أيام من انطلاق البطولة، إثر اكتشاف أن الأرضية المخصصة له لا تستوفي أدنى الشروط المطلوبة للتدريب الاحترافي.
وكشفت مصادر قريبة من الوفد الياباني أن الملعب كان يعاني من بقع ترابية عارية وعشب غير متجانس، مما أثار مخاوف جدية من احتمالية تعرُّض اللاعبين لإصابات في مرحلة حساسة تسبق المنافسات مباشرة.
وأفادت وكالة "رويترز"، يوم 2 يونيو الجاري، بأن الاتحاد الياباني طلب تغيير الموقع على الفور، فيما أوردت صحيفة "ذا صن" البريطانية تفاصيل عن الأوضاع المزرية التي وجدها الوفد لحظة وصوله.
وبحسب الصحيفة، كانت هناك شكاوى بشأن عدم استواء أرضية الملعب التي كانت مغطاة أيضاً ببقع من الأوساخ، لدرجة أن اليابان كانت تفكر في خيارات أخرى خارج المكسيك.
ولا تقتصر الأزمة على المكسيك وحدها، إذ تعيد البطولة فتح ملف قديم متعلق بجودة الملاعب الأمريكية التي صُمِّمت في معظمها لخدمة كرة القدم الأمريكية، ثم حُوِّلت إلى ملاعب لكرة القدم دون معالجة كافية للفوارق الجوهرية بين الرياضتين.
وسبق أن شكا لاعبون ومدربون من بطء نمو طول العشب وعدم انتظامه في بطولات تحضيرية أُقيمت على هذه الملاعب ذاتها، وهو ما يُؤثر مباشرة على أسلوب اللعب وسرعة تمرير الكرة.
وبحسب موقع "ياهو سبورت"، فإن عدداً من الأسطح لا تزال دون المستوى المطلوب، في حين حذر خبراء في الرياضة من أن إبقاء الأمر على حاله يعرض سلامة اللاعبين للخطر.
والأشد إثارةً للقلق أن الجدل وصل إلى الملعب الذي سيحتضن المباراة النهائية في 19 يوليو المقبل؛ إذ رصدت صحيفة "ذا أتلتيك" الرياضية مخاوف جدية من جودة أرضية "ميتلايف ستاديوم" في نيوجيرسي قبيل انطلاق البطولة.
ويفتقر هذا الملعب، الذي صُمِّم أصلاً لكرة القدم الأمريكية، إلى سقف شفاف يتيح للعشب الطبيعي الحصول على الأشعة الشمسية الكافية، في حين أشارت وكالة "رويترز" إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ومنظمي البطولة يواجهون تدقيقاً متصاعداً حول جودة الأرضيات الأمريكية بوجه عام.
الحرارة تهدد اللاعبين والجماهير
لا تتوقف الإشكاليات عند حدود الملاعب، بل تمتد إلى الطبيعة نفسها، فالبطولة التي تُقام في ذروة الصيف الأمريكي تواجه خطراً صامتاً يتمثل في الحرارة اللاهبة.
وكانت المباريات التحضيرية للبطولة أقيمت تحت درجات حرارة تجاوزت 32 مئوية في مدن كميامي وهيوستن ودالاس، وهو ما أنهك اللاعبين مبكراً وأربك خطط المدربين.
وبحسب وكالة "رويترز" فإن درجات الحرارة المرتفعة باتت تُثير مخاوف متصاعدة في الأوساط الطبية والرياضية قُبيل انطلاق البطولة، مشيرةً إلى صعوبة اتخاذ إجراءات وقائية كافية في ظل جداول مباريات مُكثَّفة ومدن ذات مناخات متباينة.
كما نقلت الوكالة عن خبراء ورياضيين تحذيرات من تأثير الطقس الحار على سلامة اللاعبين، خصوصاً مع ارتفاع معدلات الرطوبة والإجهاد البدني الناتج عن ضغط المباريات والتنقلات الطويلة.
وحذرت دراسة لمؤسسة "كرة القدم لأجل المستقبل" - وفق الوكالة - من أن عدداً من الملاعب المستضيفة قد يواجه ظروفاً مناخية قاسية خلال البطولة، ما يرفع احتمالات الإرهاق الحراري والإصابات.
وفي رسالة مفتوحة موجهة إلى "الفيفا"، اعتبر الخبراء أن التوجيهات الحالية الخاصة بالإجهاد الحراري لا تنسجم مع المعايير العلمية الحديثة، مطالبين باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية اللاعبين، من بينها تمديد فترات التبريد، ووضع بروتوكولات واضحة لتأخير أو تأجيل المباريات عند ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة بحسب هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
وتتزايد المخاوف المرتبطة بالطقس مع اقتراب انطلاق البطولة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، إذ تشير تقديرات الباحثين إلى أن 14 ملعباً من أصل 16 قد تشهد ظروفاً مناخية تتجاوز الحدود الآمنة للإجهاد الحراري.
وفي أجزاء واسعة من جنوب الولايات المتحدة وشمال المكسيك، تتراوح درجات الحرارة المعتادة خلال الصيف بين 30 و35 درجة مئوية، فيما قد تقترب أحياناً من 40 درجة خلال موجات الحر الشديدة.
وبحسب الإجراءات الحالية المعتمدة، فرضت "الفيفا" فترات تبريد إلزامية لمدة ثلاث دقائق في كل شوط من المباريات، إلى جانب توفير مقاعد مكيّفة للطاقم الفني والبدلاء في الملاعب المفتوحة.
كما تعتمد "الفيفا" على مؤشر "درجة حرارة البصيلة الرطبة الكروية" (WBGT)، وهو المقياس المستخدم عالمياً لتقييم مستويات الإجهاد الحراري عبر احتساب تأثير الحرارة والرطوبة معاً.
وفي ما يتعلق بالجماهير، أوضحت "الفيفا" أنها ستسمح بإدخال زجاجات المياه المغلقة، إلى جانب تفعيل أنظمة تبريد إضافية تشمل مناطق مظللة، وممرات لرش الرذاذ، وحافلات مكيّفة، وتوسيع نقاط توزيع المياه داخل الملاعب ومحيطها.
لكن الخبراء الذين وقعوا على الرسالة المفتوحة، وعددهم 20 أكاديمياً وباحثاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا وأوروبا، اعتبروا أن هذه الإجراءات لا تزال دون المستوى المطلوب.
وطالب الخبراء الاتحاد الدولي بإجراء تعديلات عاجلة، أبرزها تأخير أو تأجيل المباريات عندما تتجاوز قراءة مؤشر الإجهاد الحراري 28 درجة، وتمديد فترات التبريد إلى ست دقائق على الأقل، وتحسين مرافق التبريد المخصصة للاعبين، إلى جانب تحديث التعليمات الطبية بصورة دورية وفق أحدث الدراسات العلمية.
قيود على الجماهير
وفي خضم هذه المخاوف المناخية، تعرضت بعض القرارات التنظيمية لانتقادات واسعة، أبرزها القيود المتعلقة بما يمكن للجماهير إدخاله إلى الملاعب.
فقد أثار قرار منع إدخال قوارير المياه القابلة لإعادة الاستخدام استياءً بين المشجعين، خاصة مع توقعات الحرارة المرتفعة في عدة مدن أمريكية.
ورأى منتقدون أن القرار يتناقض مع ضرورات السلامة الصحية والاستدامة البيئية، في وقت يُفترض فيه تشجيع تقليل استخدام البلاستيك أحادي الاستعمال.
كما أثار حظر بعض أدوات التشجيع التقليدية مثل "الفوفوزيلا" وأبواق التشجيع نقاشاً واسعاً بين الجماهير، التي اعتبرت أن البطولة قد تفقد جزءاً من أجوائها الشعبية المعتادة.
ومن بين أبرز التحديات التي تواجه نسخة 2026 أيضاً، اتساع الرقعة الجغرافية للبطولة بصورة غير مسبوقة، فالمباريات ستقام عبر 3 دول و16 مدينة، ما يعني ساعات طويلة من السفر بين المباريات، وهو ما قد يؤثر على جاهزية اللاعبين والجماهير معاً، خاصة أن بعض الرحلات الجوية بين المدن المستضيفة تستغرق عدة ساعات.
كما يشير تقرير "رويترز" إلى أن "هذا الاتساع الجغرافي قد ينعكس على الأجواء الجماهيرية المعتادة في كأس العالم، مقارنة بالنسخ الأكثر تقارباً جغرافياً.
مقارنة لا تغيب
لا تقتصر الانتقادات على ما يجري داخل الملاعب، بل تمتد إلى الأثر البيئي الذي يُخلِّفه هذا الحدث الضخم. فقد كشفت وكالة رويترز أن انبعاثات الكربون لمونديال 2026 تسير نحو تجاوز ضعف ما أنتجه مونديال قطر 2022، وذلك من جراء الاتساع الجغرافي الهائل للبطولة وكثرة رحلات الطيران بين مدن ثلاث دول، وفق "رويترز".
ومع تصاعد هذه الإشكالات، عادت المقارنات مجدداً مع كأس العالم 2022 في قطر، التي نالت إشادات كبيرة من الاتحاد الدولي لكرة القدم ووسائل إعلام وجماهير عالمية.
ووصف رئيس "الفيفا"، جياني إنفانتينو، في أكثر من مناسبة، البطولة بأنها "أفضل كأس عالم في التاريخ"، مشيداً بالأجواء الجماهيرية وجودة الملاعب وسهولة التنقل وغياب أعمال الشغب، في وقت اعتبر فيه كثير من المتابعين أن تقارب الملاعب جغرافياً منح الجماهير تجربة استثنائية غير مسبوقة، إذ تمكن المشجعون من حضور أكثر من مباراة في اليوم الواحد بسهولة.
كما حظيت أرضيات الملاعب القطرية وتقنيات التبريد الحديثة بإشادة واسعة من لاعبين ومدربين، بعدما ساهمت في الحد من تأثير الحرارة وتوفير ظروف لعب مستقرة طوال البطولة، إلى جانب كفاءة شبكات النقل والمترو والبنية التشغيلية التي قللت من معاناة الجماهير والمنتخبات في التنقلات.
وفي الجانب التنظيمي والبيئي، حصلت بطولة كأس العالم في قطر على شهادة "الأيزو 20121" الخاصة بإدارة الفعاليات المستدامة، لتصبح أول نسخة من المونديال تنال هذا الاعتماد الدولي في مجال الاستدامة والعناية بالبيئة وإدارة الأحداث الكبرى.