في 2026/03/26
(أحمد شوقي \ راصد الخليج)
تصاعدت، في الأيام الأخيرة، حدة البيانات والتصريحات الخليجية إزاء إيران، ووصل في بعض البيانات التلويح بالوسائل العسكرية، وهو ما يوحي بخطورة انزلاق الموقف إلى حرب خليجية- إيرانية في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية أهمية. إذ لا يخدم الصراع والتقاتل فيها إلا "إسرائيل" والمصالح الأمريكية، والتي تقتات على الصراعات وبيع السلاح وابتزاز الدول بدعاوى الحماية العسكرية.
مما لا شك فيه أن استهداف إيران للقواعد العسكرية الأمريكية، في دول الخليج، شكّل حالًا من التناقض في الخطاب الخليجي، حين التزم الخطاب الخليجي الرسمي برفض التمدد الإسرائيلي في المنطقة، ولكن عند العدوان على إيران، بقي صامتا عن الإدانة، ثم ما لبث أن ااستغل استهداف إيران للقواعد الأمريكية في الخليج، ليخرج مدينًا وعدائيًا. هذا ما التقطته أميركا، كما التقطته "إسرائيل" لتسييد حالٍ من حالات الاصطفاف في مواجهة عدو مشترك، وهو إيران!
كما تنامت التسريبات والتقارير عن تنسيق عسكري واستخباراتي بين جنرالات "إسرائيل" ودول خليجية، وأصبحت المنصات الإعلامية الخليجية منصات للدعاية الإسرائيلية والترويج للعدوان الأمريكي - الإسرائيلي، وهو ما يتناقض ووجدان الشعوب العربية، ومنها من دون شك قطاعات واسعة من الشعوب الخليجية.
لقد اتضح، في كثير من الفيديوهات الموثقة، التعاطف الشعبي مع الصواريخ الإيرانية التي تسقط على "إسرائيل"، وهي تعبر الأجواء الفلسطينية والأردنية. كما اتضح، أيضًا، أن هناك تعاطفًا من الشعب الخليجي مع الصواريخ التي تقصف القواعد الأمريكية في بلدانه، حيث سمعت تكبيرات شعبية عند استهداف تلك القواعد، ما يؤكد نقاء الوجدان العربي والإسلامي وسلامة بوصلته.
في هذا السياق؛ تقع الأنظمة الخليجية في خطأ مركّب إذا ما قررت استمرار التموضع في المعسكر الأمريكي، لا سيما في وقت الحرب والقصف المتبادل، حيث تقع في خطأ تاريخي بالاصطفاف مع الطرف المعتدي والراغب بتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى" على حساب الأراضي العربية. كما تقع في خطأ التناقض مع شعوبها، ما يلقي بظلال كثيفة على شرعية الأنظمة، والتي هي متغلبة بالقوة، ولا تعبر عن شعوبها ولا تمثلها.
الأمر الأكثر خطورة هو الدفع الخليجي لأنظمة عربية أخرى للانخراط في الاصطفاف مع أميركا. الضغوط الخليجية على الدول المركزية، مثل مصر وتركيا وباكستان وغيرها لمعاداة إيران، وربما للتصعيد العسكري والانضمام لتحالف موسع للاشتباك معها. هذا ما يقود للوصول إلى حرب إقليمية شاملة، سيكون المتضرر الأكبر منها هو الأمن الخليجي الهش، والذي لا يتحمّل فقدان أعمدته الاقتصادية القائمة على النفط وشركات التكنولوجيا، بل قد يصل الأمر إلى محطات تحلية المياه إذا ما تطورت الأمور، ودخلت الحرب في معادلات أخرى واستهدافات أوسع، وكان الخليج طرفًا رئيسًا فيها.
في الأيام الأخيرة؛ تحرص أميركا على تنمية هذا العداء بنشر تقارير عسكرية عبر القيادة المركزية التي توثق انطلاق الهجمات من الخليج، وكأنها تسعى لتغذية الصراع بهدف تشكيل تحالف إقليمي بعد تعثر أميركا بسبب الصمود الإيراني، وما تسبب به من حرج لأميركا ومساسا بهيبتها.
كما تحرص وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى على نشر تقارير تفيد بأن قادة الخليج، وعلى رأسهم السعودية والإمارات، يقومون بتحريض أميركا على استمرار الحرب والقضاء على النظام في إيران، وهو ما يقود لتعميق العداء ويحمل نذر الحرب المباشرة مع الخليج.
بناء على ما تقدم؛ لا تتوجه دول الخليج برسائل ضغط على أميركا لتكفّ عن عدوانها، ولا حتى لتكفّ عن بث تقارير الوقيعة بين الخليج وإيران، ولا تعديل الخطط كي لا تنطلق الهجمات من الخليج.. بل نرى وكأن الخليج حسم أمره بربط مصيره بانتصار أميركا ووصل إلى قطيعة مع إيران قد لا يكون معها خط للرجعة. تجلى ذلك في تهديد الرئيس ترامب بقصف منشآت الطاقة الإيرانية إذا ما أعادت إيران قصف منشآت قطرية، في محاولة لتكريس صورة مفادها أن أميركا تحمي الخليج من عدوها الإيراني!
إن هذا التموضع خطير للغاية، وبمثابة مجازفة استراتيجية كبرى، وقد غاب معه الحياد الخليجي، وغابت معه حتى أدوار الوساطة التقليدية، وشيئا فشيئا يتحول الخليج إلى طرف في الصراع، تماما كما كانت الحرب العراقية - الإيرانية في عهد صدام حسين.. وهو موقف خاطئ تمامًا من الناحية التاريخية، وكذلك من الناحية الاستراتيجية، وعلى الخليج تدارك ذلك فورًا؛ لأن الحرب تتصاعد، ومعها يتصاعد بنك الأهداف، ودول الخليج في غنى عن تحمّل هذه الكلفة الكبرى التي قد تعيد دولها وشعوبها إلى أزمنة صعبة مثل زمن ما قبل النفط وطفرته.