قضاء » قضايا

عفو قبل القصاص.. كيف يوازن النظام السعودي بين العدالة والتسامح؟

في 2026/06/22

محمد أبو رزق - الخليج أونلاين

أعاد مقطع فيديو متداول على نطاق واسع في السعودية والعالم العربي تسليط الضوء على أحد الجوانب البارزة في النظام القضائي السعودي، بعدما أعلن والد شاب قُتل في جريمة جنائية العفو عن الجاني قبل ساعات من تنفيذ حكم القصاص بحقه.

وأثار المشهد تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول آلية التعامل مع جرائم القتل في المملكة، التي تجمع بين تطبيق العقوبات الرادعة وضمان حق أولياء الدم في العفو وفق ما تقرره أحكام الشريعة الإسلامية.

وتستند المنظومة القضائية السعودية إلى الشريعة الإسلامية في معالجة جرائم القتل العمد، حيث يحق لأولياء الدم المطالبة بتنفيذ القصاص أو التنازل عنه مقابل الدية أو دون مقابل، وفقاً لما يرونه محققاً للمصلحة الشرعية والاجتماعية.

القصاص.. عدالة وردع

يرى مختصون قانونيون أن نظام القصاص يمثل أحد أهم أدوات العدالة الجنائية، إذ يهدف إلى حماية المجتمع وردع الجريمة وصون الحق في الحياة.

وعندما تثبت جريمة القتل العمد أمام القضاء بعد استكمال مراحل التحقيق والتقاضي، يصدر حكم القصاص بحق الجاني، غير أن تنفيذ الحكم يبقى مرتبطاً بموقف أولياء الدم حتى اللحظات الأخيرة.

ويؤكد مختصون أن تعدد درجات التقاضي والمراجعات القضائية في المملكة يهدف إلى ضمان سلامة الإجراءات وتحقيق العدالة قبل تنفيذ الأحكام النهائية، خصوصاً في القضايا التي تترتب عليها عقوبات جسيمة.

في المقابل، يمنح النظام الشرعي مساحة واسعة للتسامح، إذ يحق لأولياء الدم التنازل عن القصاص في أي مرحلة قبل التنفيذ.

ويجسد ذلك ما حدث أخيراً عندما أعلن يحيى بن قانص القحطاني العفو عن قاتل ابنه لوجه الله تعالى قبل ساعات من تنفيذ الحكم، في خطوة لاقت تفاعلاً واسعاً وإشادة كبيرة داخل المملكة وخارجها.

وينظر إلى هذا الحق باعتباره تجسيداً لقيم الرحمة والإصلاح التي تحث عليها الشريعة الإسلامية، إلى جانب دوره في تعزيز المصالحة الاجتماعية وإنهاء النزاعات بين الأسر والعائلات.

وخلال السنوات الماضية شهدت المملكة عشرات الحالات المشابهة التي تنازل فيها أولياء الدم عن حق القصاص، سواء ابتغاءً للأجر والثواب أو استجابة لمساعي الصلح والإصلاح المجتمعي أو مراعاة لظروف إنسانية خاصة.

ويرى مهتمون بالشأن الاجتماعي أن هذه المواقف لا تعني التهاون مع الجريمة أو الانتقاص من قيمة العقوبة، بل تعكس توازناً بين تحقيق العدالة وإتاحة فرصة للتسامح عندما ترى أسرة الضحية أن العفو يحقق مصلحة أكبر.

تفاعل مجتمعي واسع

وحظي الفيديو المتداول لوالد الضحية بتفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أشاد كثيرون بقراره وعدّوه نموذجاً للتسامح وضبط النفس رغم قسوة الفقد والألم.

وأشار متابعون إلى أن اتخاذ قرار بالعفو في قضايا القتل يتطلب قدراً كبيراً من الصبر والقوة النفسية، خاصة عندما يتعلق الأمر بفقدان أحد أفراد الأسرة.

كما شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة مبادرات عديدة للصلح والعفو، بعضها جاء بعد جهود قادتها لجان الإصلاح والوجهاء، فيما شهدت قضايا أخرى تنازلاً كاملاً عن القصاص دون أي مقابل مالي.

عقوبة الإعدام وإجراءات التنفيذ

وفي هذا السياق، أوضح المستشار القانوني مصطفى دياب أن عقوبة الإعدام في المملكة تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وتُطبق في جرائم محددة ووفق ضوابط وإجراءات قضائية دقيقة.

وقال دياب في حديث لـ"الخليج أونلاين"، إن المادة (217) من نظام الإجراءات الجزائية، إلى جانب المواد ذات الصلة في اللائحة التنفيذية، تنظم الأحكام والإجراءات المرتبطة بتنفيذ عقوبة الإعدام والقصاص.

وأضاف أن الأحكام الصادرة بالقتل أو القصاص لا تُنفذ إلا بعد استكمال جميع المراحل النظامية وصدور الأمر اللازم بالتنفيذ، وبحضور ممثلين عن الجهات القضائية والأمنية والإدارية المختصة، إضافة إلى عضو من النيابة العامة وطبيب مختص.

وأشار إلى أن المملكة أبقت عقوبة الإعدام للجرائم الأشد خطورة، ومنها القتل العمد والإرهاب والاغتصاب والسطو المسلح وتهريب المخدرات وبعض الجرائم الأخرى المنصوص عليها نظاماً.

وأكد أن تطبيق هذه العقوبة يتم وفق ضمانات قانونية وإجرائية مشددة، بما يكفل استيفاء جميع المتطلبات القضائية قبل تنفيذ الحكم.

وتبرز خصوصية النظام السعودي في الجمع بين الردع القانوني الصارم من جهة، وفتح المجال أمام التسامح والعفو من جهة أخرى، بما يمنح أولياء الدم حق الاختيار بين تنفيذ القصاص أو التنازل عنه وفق قناعاتهم وإرادتهم الكاملة، حسب المختص القانوني.