في 2026/08/17
الخليج أونلاين
لم يعد السؤال عن قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة نص أدبي مجرد افتراض مستقبلي، بل تحول إلى نقاش قائم داخل الأوساط الأدبية والنقدية، بعدما أصبحت النماذج اللغوية قادرة على إنتاج قصص وشخصيات وحوارات وبناء حبكات كاملة خلال دقائق.
وبينما يرى بعض المهتمين أن هذه التقنيات يمكن أن تصبح شريكًا جديدًا للكاتب، يصر آخرون على أن الرواية ليست مجرد تركيب لغوي متماسك، وإنما تجربة إنسانية لا يمكن للآلة امتلاكها.
ويكتسب السؤال أهمية أكبر مع ظهور أعمال أدبية استخدمت الذكاء الاصطناعي بصورة معلنة. ففي اليابان، فازت الروائية ري كودان بجائزة أكوتاغاوا المرموقة عام 2024 عن روايتها «برج التعاطف في طوكيو»، وكشفت بعد الفوز أنها استخدمت ChatGPT في نحو 5% من النص، كما قالت إن الرواية بدأت أصلًا من خلال تفاعلها مع الأداة الذكية.
هذه التجربة فتحت الباب أمام سؤال أكثر تعقيدًا: إذا كان القارئ عاجزًا أحيانًا عن معرفة ما إذا كان النص من كتابة إنسان أو آلة، فهل يصبح مصدر النص أقل أهمية من قدرته على التأثير؟
الآلة تكتب.. لكن هل تبدع؟
دراسة حديثة نشرت في مجلة Judgment and Decision Making قدمت إجابة مثيرة للجدل، فقد عُرضت ست قصص قصيرة على 1682 شخصًا، ثلاث منها كتبها بشر وثلاث أنتجها ChatGPT. والمفاجأة أن المشاركين صنفوا القصص التي أنتجها الذكاء الاصطناعي على أنها أكثر تشويقًا وأعلى جودة من القصص البشرية، فيما لم يتمكن المشاركون في تجارب أخرى من التمييز بين النص البشري والنص المولد آليًا بدرجة تتجاوز الصدفة بصورة واضحة.
وقالت الباحثة ديينا سكولنيك وايسبرغ، من جامعة فيلانوفا، إن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على إنتاج قصص قصيرة يراها القراء مساوية للأعمال البشرية أو أفضل منها، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني أن الكتابة ينبغي أن تُترك للآلة، لأن الإبداع البشري يظل مرتبطًا بالتعبير عن الذات وفهم التجربة الإنسانية.
لكن الكاتب البريطاني ديف إيغيرز يتبنى موقفًا أكثر تشددًا، إذ يرى أن الرواية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الأصالة والعمق العاطفي، محذرًا من أن الاعتماد على هذه الأدوات قد ينتزع من الكتاب عملية التعلم والتجربة التي تشكل جزءًا من جوهر الكتابة.
الرواية العربية أمام الاختبار
لم يبق النقاش بعيدًا عن الأدباء العرب، وفي ندوة أقيمت في 17 أكتوبر 2024 ضمن مهرجان كتارا للرواية العربية، خصصت لمناقشة «الرواية العربية في ظل الذكاء الاصطناعي»، بمشاركة الروائيين واسيني الأعرج وأمير تاج السر وإبراهيم عبد المجيد، وتناولت النقاشات حدود الذكاء الاصطناعي في التخييل الروائي، وإمكاناته في السرد، والقضايا التي يطرحها على مستقبل الرواية.
الروائي السوداني أمير تاج السر بدا متحفظًا تجاه إمكانية أن تحل الآلة محل الروائي. ويقول إن الشخصيات الروائية المعقدة، بما تحمله من جغرافيا وتاريخ وحيوات متشابكة، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي حتى الآن استيعابها ونحتها بالعمق المطلوب، ولذلك «يميل إلى اعتماد الروائي الإنسان فقط، كاتبًا إبداعيًا»، مع ترك الباب مفتوحًا أمام ما قد تحمله التطورات المستقبلية.
أما الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، فيميز بين استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة وبين الاعتماد عليه في الإبداع نفسه. فهو يرى أن التقنية بارعة في الوصول إلى المعلومات واختصار وقت البحث، لكن تحويل هذه المعلومات إلى عمل فني يظل مرتبطًا بموهبة الكاتب. كما وصف الذكاء الاصطناعي في الأدب والإبداع بأنه يفتقد الروح، وأن مخرجاته تظل ميكانيكية مهما اتسعت قاعدة المعلومات التي يتغذى عليها.
وتذهب آراء عربية أخرى في الاتجاه نفسه. ففي استطلاع نشرته مجلة «القافلة»، رأت الكاتبة زينب القطري أن الذكاء الاصطناعي قد ينتج أدبًا باهرًا من الناحية اللغوية والبنائية، لكنه يظل محرومًا من الجذور والهوية والتجربة المعيشة؛ بينما رأى علي التتان أن القيمة الأدبية للنص المنتج بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تعود في النهاية إلى الإنسان الذي يوظف التقنية لصياغة تجربته الخاصة.
رواية للآلة أم رواية بمساعدة الآلة؟
المفارقة أن المشكلة ربما لم تعد في قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة رواية يمكن قراءتها، بل في تعريفنا لما يجعل الرواية أدبًا. فإذا كانت الرواية حبكة وشخصيات ولغة وإيقاعًا، فقد أثبتت النماذج الحديثة قدرتها المتزايدة على محاكاة هذه العناصر. أما إذا كانت الرواية شهادة على تجربة إنسانية، وصراعًا مع الذاكرة والخوف والحب والفقد والهوية، فإن السؤال يصبح أكثر صعوبة.
وتشير هذه التطورات إلى أن المستقبل قد لا يكون بالضرورة صراعًا بين «الكاتب» و«الآلة»، وإنما بين طرق مختلفة للكتابة. وقد نشهد روايات يكتبها الإنسان بالكامل، وأخرى يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي للبحث والتخطيط والمراجعة، وربما أعمالًا تكون الآلة شريكًا في إنتاج أجزاء منها.
لكن يبقى سؤال الأصالة حاضرًا: هل يكفي أن تكتب الآلة رواية جيدة كي تصبح روائية؟ أم أن جودة النص شيء، وامتلاك تجربة تستحق أن تُروى شيء آخر؟
حتى الآن، تبدو الإجابة مفتوحة، وربما يكون الاختبار الحقيقي ليس قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليد الرواية، وإنما قدرته على إنتاج نص يحمل صوتًا خاصًا، ورؤية للعالم، وتجربة لا تبدو مجرد إعادة تركيب لما كتبه البشر من قبل.