في 2026/08/29
وكالات
قالت وكالة رويترز إن التحولات التي أحدثتها الحرب في المنطقة في خريطة التجارة العالمية تدفع دول الخليج العربي إلى إعادة صياغة استراتيجياتها الاستثمارية، مع توجه متزايد نحو ضخ رؤوس أموال كبيرة في مشروعات البنية التحتية، تشمل الموانئ وخطوط أنابيب الطاقة وشبكات النقل، بهدف تقليل تعرض اقتصاداتها لصدمات وأزمات مستقبلية.
وأوضحت الوكالة أن الحرب كشفت حجم اعتماد دول الخليج على مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره قبل الأزمة نحو 20% من تدفقات النفط العالمية، مشيرة إلى أن المضيق ظل لعقود عرضة لتهديدات إيران بعرقلة حركة الملاحة.
وبحسب رويترز، أدى تعطل حركة العبور عبر المضيق خلال معظم الأشهر الستة الماضية إلى دفع الدول الخليجية المصدرة للطاقة إلى الإعلان عن خطط واستثمارات بمليارات الدولارات لتعزيز البدائل، في وقت تواجه فيه اقتصادات المنطقة تباطؤاً ملحوظاً.
وأشارت الوكالة إلى أن جزءاً من حركة التجارة جرى تحويله إلى الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر والموانئ الشرقية في الإمارات، غير أن قدراتها الاستيعابية لا تزال محدودة مقارنة بحجم التدفقات التي كان يستوعبها مضيق هرمز.
ونقلت رويترز عن مصدر في قطاع النقل، طلب عدم الكشف عن هويته، أن حكومات الخليج تدرس حلولاً "دائمة ومتكاملة" لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
الموانئ في صدارة الأولويات
وقالت رويترز إن معظم دول الخليج تمتلك موارد مالية كبيرة راكمتها من عائدات النفط، ما يسمح لها بتمويل جزء كبير من مشروعات البنية التحتية، في حين قد تتجه دول أخرى إلى التمويل الخارجي مع سعيها إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.
وأضافت أن صناديق البنية التحتية العالمية والمستثمرين الدوليين يبدون اهتماماً متزايداً بأصول المنطقة، فيما قد تصل قيمة المشروعات الجديدة إلى مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة.
ونقلت الوكالة عن مصدر ثان في القطاع أن الموانئ أصبحت أولوية بالغة الأهمية للحكومات الخليجية، بما فيها السعودية، مضيفاً أن التركيز الذي انصب خلال السنوات الماضية على قطاعات مثل السياحة والرياضة قد يتحول خلال العامين المقبلين بصورة أكبر إلى تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية.
وفي الإمارات، ذكرت رويترز أن شركة "لِعماد" الاستثمارية التابعة لحكومة أبوظبي أعلنت اعتزامها الاستحواذ الكامل على مجموعة "موانئ أبوظبي"، في إطار إعادة صياغة استراتيجية المجموعة.
وأوضحت الوكالة أن "موانئ أبوظبي" تدير موانئ داخل الإمارات وخارجها، لكنها واجهت تراجعاً حاداً في أحجام مناولة الحاويات والبضائع خلال الربع الثاني من العام، بينما قالت المجموعة إن الفترة كانت من أصعب المراحل في تاريخها الممتد لنحو 20 عاماً.
كما أشارت رويترز إلى تراجع أعمال "موانئ دبي العالمية" خلال النصف الأول من العام، بالتزامن مع استمرار خطط الشركة لتطوير محطتي حاويات في الفجيرة، فضلاً عن إنشاء مستودعات داخلية للحاويات في الإمارات.
ونقلت الوكالة عن زين البقالي، الرئيس التنفيذي لشركة "سيلك إنفست"، أن حكومات الخليج تمتلك رؤوس الأموال اللازمة لتمويل جزء كبير من الاستثمارات المتسارعة في البنية التحتية، مشيراً إلى أن القطاع سيكون من أبرز المجالات المستفيدة من هذه الاستثمارات.
خطوط أنابيب وطرق بديلة للطاقة
وقالت رويترز إن السعودية سرعت خططاً بمليارات الدولارات لتقليل اعتماد صادراتها النفطية على مضيق هرمز، بما في ذلك توسيع طاقة خط أنابيب النفط الخام الممتد إلى ساحل البحر الأحمر، وهو ما قد يتيح أيضاً لدول مجاورة استخدام هذه المسارات لتصدير مزيد من النفط بعيداً عن المضيق.
وأضافت أن مؤسسة البترول الكويتية تجري محادثات مع السعودية والإمارات لتوسيع شبكات خطوط الأنابيب بما يسمح باستيعاب شحنات النفط الكويتية، فيما يعمل العراق على زيادة صادراته عبر ميناء جيهان التركي، ويبحث كذلك خيارات تصدير إضافية عبر موانئ سورية وأردنية من خلال إنشاء خطوط أنابيب جديدة.
وفي قطاع النقل، نقلت رويترز عن وزير النقل التركي في يونيو/حزيران الماضي أن تركيا والسعودية تعتزمان إنشاء خط للسكك الحديدية يربط البلدين عبر الأردن وسوريا خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة، مع توقع انضمام دول خليجية أخرى إلى المشروع.
الحرب تعيد تعريف مفهوم الأمان الاقتصادي
وأكدت رويترز أن تداعيات الحرب تجاوزت اضطرابات الشحن، إذ طالت منشآت إنتاج الطاقة والصناعات التحويلية ومراكز البيانات في الخليج، بينما لا تزال حركة النقل الجوي دون مستويات ما قبل الحرب، ما ينعكس على السياحة ونشاط الأعمال.
وأضافت الوكالة أن الأزمة أثرت أيضاً في صورة المراكز الاقتصادية الخليجية باعتبارها ملاذات آمنة ومستقرة، مشيرة إلى أن مضيق هرمز فُتح جزئياً خلال بعض الفترات الأخيرة، لكن حركة التجارة عبره لا تزال محدودة، في ظل عدم وجود نهاية واضحة للأزمة بين إيران والولايات المتحدة.
ونقلت رويترز عن آفاق حسين، الباحث السابق في مبادرة الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، أن أزمة مضيق هرمز قدمت درساً بالغ الأهمية لدول المنطقة، مفاده أن نقاط الضعف في سلاسل التجارة والطاقة يمكن أن تظهر في أي وقت خلال الأزمات، مؤكداً الحاجة إلى تطوير طرق بديلة للتجارة والنقل حتى لو كانت أقل جدوى من الناحية الاقتصادية في البداية.
وبحسب رويترز، فإن هذه التحولات تشير إلى أن دول الخليج لا تنظر إلى البنية التحتية بعد الآن باعتبارها مجرد وسيلة لدعم النمو الاقتصادي، بل باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز المرونة الاقتصادية وتقليل مخاطر الاعتماد على ممرات تجارية محدودة.