سياسة وأمن » حروب

هل تريد السعودية تصعيداً جديداً في الشرق الأوسط؟

في 2026/07/30

د. محمدجواد محمدي (مركز بنيان للدراسات الإستراتيجية)

تكشف التطورات الميدانية في الساعات الأخيرة من 28 يوليو 2026 أن الضربات الجوية المشتركة داخل الأراضي العراقية لم تكن مجرد رد فعل محدود، بل خطوة تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية عميقة على الأطراف التي بادرت بها. فما قُدّم على أنه دفاع عن منشآت حيوية تحول سريعاً إلى تدخل مباشر يتجاوز الحدود، ويعيد رسم قواعد الاشتباك بطريقة تُضعف المبادرين وتقوي منطق الصمود لدى الطرف الآخر.

عندما يُنفَّذ عمل عسكري داخل دولة ثالثة دون موافقة واضحة من سلطاتها، يتحول الإجراء الدفاعي المزعوم إلى مصدر توتر جديد. كل ضربة إضافية تُقرأ على الأرض كتهديد للسيادة، فتدفع الأطراف المتضررة إلى تعزيز قدراتها على الامتصاص والرد غير المباشر. النتيجة ليست ردعًا مستدامًا، بل حلقة متصاعدة تجعل السيطرة على مجريات الأمور أصعب فأصعب على من بدأ باستخدام القوة الجوية المشتركة.

محاولات فرض الإرادة بالقوة المباشرة تواجه دائماً حدوداً واضحة. فالردع الفعّال يحتاج إلى مخرج سياسي ومصداقية طويلة الأمد، أما العمليات التي تفتقر إلى هذين العنصرين فتتحول إلى عقاب مؤقت يرفع التكلفة على المدى القصير فقط. الطرف الذي يعتمد على المرونة والقدرة على التعويض يخرج من مثل هذه المواجهات أكثر تماسكاً، بينما يجد المبادر نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما مواصلة التصعيد بتكلفة اقتصادية وسياسية متزايدة، أو التراجع الذي يُفسر ضعفاً.

إدخال طرف خليجي بشكل علني في عمليات داخل العراق يغيّر طبيعة المجمع الأمني الإقليمي. يحول الصراع من مستوى غير مباشر إلى مستوى أكثر انكشافاً، فيرفع درجة الترابط بين الساحات ويجعل أي رد فعل محلياً قابلاً للامتداد بسرعة. بهذا الشكل تفقد الأطراف المهاجمة ميزة العمل من خلف الستار، وتتعرض لضغوط داخلية وخارجية أوسع، في الوقت الذي يجد فيه الطرف المدافع عن سيادته فرصة لتوحيد الصفوف تحت عنوان مقاومة التدخل الخارجي.

من الزاوية القانونية، يصطدم استخدام القوة داخل أراضٍ أجنبية بمبادئ أساسية تحظر المساس بالسلم الإقليمية. حتى لو استُند إلى حق الرد، فإن حجم الاستهداف وتوزيعه على مواقع متعددة في عدة محافظات يتجاوز حدود التناسب والضرورة. غياب الموافقة الصريحة من الدولة المضيفة يحوّل العملية إلى سابقة خطيرة، ويمنح الطرف الذي يدافع عن ترابه موقعاً أخلاقياً وقانونياً أقوى في المعادلة الإقليمية.

في المحصلة، تُظهر الحسابات الدقيقة أن هذه الخطوة لا تُعيد ترتيب موازين القوى لصالح من نفذها. بل تساهم في تعزيز سردية الصمود أمام الضغوط الخارجية، وترفع كلفة الاستمرار في النهج ذاته. الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بتجاوز الحدود وفرض الإرادات، بل باحترام السيادة وفصل الدفاع المشروع عن العمليات التي تعيد إنتاج دوامة العنف. كل مؤشر ميداني واستراتيجي يؤكد أن التصعيد الحالي يحمل بذور ارتداده على أصحابه، بينما يمنح الطرف الآخر مساحة أوسع لإعادة ترتيب أوراقه ضمن إطار أوسع من المقاومة والصبر الاستراتيجي.