في 2026/07/11
يوسف حمود - الخليج أونلاين
عاد مضيق هرمز إلى واجهة التوتر مجدداً بعد استهداف ناقلات تجارية خلال عبورها قرب المضيق، بينها ناقلة الغاز القطرية "الركيات" والناقلة السعودية "وديان"، في تطور أعاد خلط أوراق التهدئة التي أعقبت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ووضع دولاً خليجية كان لها أدوار في الوساطة أو التهدئة أمام تصعيد مباشر.
وجاء الاستهداف في وقت لا تزال فيه المفاوضات الأمريكية الإيرانية مستمرة بشأن تثبيت وقف القتال وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، وبعد أسابيع من مذكرة تفاهم تضمنت بنوداً مرتبطة بفتح المضيق وضمان عبور السفن، لكنها تركت خلافاً واضحاً حول الجهة التي تدير إجراءات العبور الآمن ومسارات الملاحة.
وأدانت قطر استهداف ناقلتها "الركيات"، ووصفت العملية بأنها اعتداء مرفوض على أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، محملة إيران المسؤولية القانونية عما ترتب على الهجوم، كما أدانت السعودية استهداف ناقلتها "وديان" والناقلة القطرية، معتبرة أن الهجمات تمثل اعتداءً على سلامة الملاحة الدولية وأمن إمدادات الطاقة.
ويطرح استهداف ناقلات قطر والسعودية مفارقة لافتة؛ فبينما كان للأولى دور أساسي في الاتصالات بين واشنطن وطهران، عادت الثانية خلال الفترة الماضية إلى قنوات التواصل مع إيران رغم استهدافها إيرانياً خلال الحرب، وشاركت في مناسبات دبلوماسية مرتبطة بالتهدئة قبل أن تطال الهجمات سفناً تابعة للبلدين.
ماذا حدث في هرمز؟
قالت تقارير أمريكية وبحرية إن الحرس الثوري الإيراني استهدف سفناً تجارية في مضيق هرمز خلال 24 ساعة (7 يوليو 2026)، بينها ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية، في واحدة من أخطر جولات التصعيد البحري منذ التفاهم الأمريكي الإيراني الأخير بشأن وقف القتال وفتح الممر الملاحي.
وذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن ناقلة تعرضت لمقذوف قرب ساحل عُمان ما تسبب في اندلاع حريق أثناء عبورها جنوباً قرب منطقة ليما العُمانية، وقد أفادت تقارير لاحقة بأن السفينة المتضررة هي ناقلة الغاز القطرية "الركيات"، فيما تحدثت مصادر ملاحية عن تضرر ناقلة سعودية تحمل اسم "وديان".
ونقلت "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين أن الحرس الثوري الإيراني أطلق صواريخ على سفن تجارية أثناء عبورها المضيق، وأن الهجمات طالت أكثر من سفينة خلال فترة قصيرة، كما ذكرت "رويترز" أن مستوى الخطر على الملاحة في هرمز رُفع إلى "شديد" بعد تضرر ناقلات في المنطقة.
وجاءت الهجمات بعد عودة تدريجية لحركة السفن في المضيق عقب ترتيبات مؤقتة لفتح الملاحة وبعد أيام من سجالات حول الممرات الآمنة ومسؤولية الإشراف على العبور، في ظل خلاف بين واشنطن وطهران حول تفسير مذكرة التفاهم الأخيرة.
وتسبب الشغب الإيراني في مضيق هرمز عبر استهداف الناقلات إلى عودة ضربات أمريكية على نحو 200 موقع في إيران، فيما ردت الأخيرة بضربات استهدفت مواقع في الكويت والبحرين، وهو ما جعل التفاهمات الأخيرة تحت خطر الانهيار.
قطر.. وساطة لم تمنع الاستهداف
تعد قطر أحد أبرز الوسطاء في المسار الأمريكي الإيراني خلال الأشهر الماضية، إذ استضافت اتصالات وجولات تفاوض غير مباشرة، وساهمت في تقريب وجهات النظر بعد الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، قبل التوصل إلى مذكرة تفاهم فتحت باب التهدئة.
ورغم هذا الدور طالت الهجمات ناقلة الغاز القطرية "الركيات" أثناء عبورها قرب مضيق هرمز في حادثة اعتبرتها الدوحة اعتداءً مباشراً على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، فيما قال المتحدث باسم الخارجية القطرية إن قطر تحمل إيران المسؤولية القانونية عن الاستهداف وما قد يترتب عليه من أضرار.
وطالبت الدوحة إيران بالوقف الفوري للممارسات التي تمس أمن المنطقة أو تهدد الملاحة، وبالكف عن تعريض إمدادات الطاقة للخطر، كما استدعت القائم بالأعمال الإيراني للاحتجاج على الهجوم.
وتأتي حساسية استهداف ناقلة قطرية من موقع قطر في سوق الغاز العالمي، إذ تعد الدوحة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال وتعتمد صادراتها على أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ما يجعل أي تهديد لناقلاتها تهديداً مباشراً لمصالحها الاقتصادية ولإمدادات الطاقة العالمية.
السعودية.. تواصل واستهداف
جاء استهداف الناقلة "وديان" في وقت كانت العلاقات السعودية الإيرانية قد شهدت مسار تهدئة منذ اتفاق استئناف العلاقات برعاية صينية عام 2023، وما تبعه من عودة السفارات وتبادل الزيارات والاتصالات بين المسؤولين في البلدين.
وخلال الأشهر الأخيرة، واصلت الرياض الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران، في ظل اضطرابات إقليمية كبيرة شملت الحرب في غزة والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، كما شاركت وفود سعودية في مناسبات دبلوماسية مرتبطة بالتهدئة والتواصل بعد التصعيد الأخير، فضلاً عن مشاركة وفد من المملكة في تشييع المرشد السابق علي خامنئي.
لكن بيان الخارجية السعودية، الصادر الثلاثاء 7 يوليو 2026، حمّل إيران مسؤولية استهداف الناقلة "وديان" خلال عبورها مضيق هرمز، إلى جانب استهداف الناقلة القطرية "الركيات"، مؤكداً أن هذه الاعتداءات تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية وسلامة إمدادات الطاقة العالمية.
وقالت الرياض إن استمرار إيران في هذه الممارسات يمثل انتهاكاً للقانون والأعراف الدولية، وللقرارات التي تكفل حرية الملاحة والعبور الآمن في الممرات البحرية، مطالبة طهران بوقف كل ما من شأنه تهديد أمن المنطقة وسلامة الملاحة وإمدادات الطاقة.
تبريرات إيرانية
تستند إيران في تبرير إجراءاتها في مضيق هرمز إلى تفسير خاص لمذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة وتحديداً البند الخامس، الذي تقول طهران إنه يمنحها دوراً في إجراءات ضمان العبور الآمن للسفن، بينما ترفض واشنطن والخليج أي تفسير يمنح طهران حق استخدام القوة أو فرض مسارات على السفن.
وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن استمرار المفاوضات مع واشنطن مشروط بوقف التهديدات الأمريكية، استناداً إلى بند آخر في مذكرة التفاهم.
وفي أعقاب الهجمات، نفذت الولايات المتحدة ضربات ضد أهداف إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري في محيط المضيق، كما أعلنت واشنطن إلغاء ترخيص مؤقت كان يسمح لإيران ببيع النفط ضمن ترتيبات مرتبطة بمذكرة التفاهم.
وتؤكد واشنطن أن مضيق هرمز ممر دولي لا يجوز تعطيله أو إخضاع عبوره لموافقات إيرانية، في حين ترى طهران أن لها دوراً في إدارة إجراءات السلامة داخل المضيق.
رسالة إيرانية
ويرى الباحث في العلاقات الدولية، عماد كمال، أن استهداف ناقلات تابعة لقطر والسعودية "لا يرتبط بطبيعة العلاقة السياسية مع هاتين الدولتين بقدر ما يرتبط برسالة إيرانية تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز".
ويوضح لـ"الخليج أونلاين" بأن طهران "تحاول التأكيد أن أي سفينة تعبر وفق ترتيبات لا تعترف بها قد تصبح ضمن دائرة الاستهداف بغض النظر عن جنسية مالكها أو موقف دولته السياسي".
ويضيف أن استهداف ناقلة قطرية يحمل دلالة مختلفة؛ "لأن الدوحة ما زالت تؤدي دوراً مهماً في قنوات التواصل غير المباشر بين طهران وواشنطن، ومن ثم فإن الحادثة لا تعني بالضرورة استهداف الوساطة القطرية نفسها وإنما تعكس حرص إيران على الفصل بين المسار الدبلوماسي، وبين ما تعتبره ملفاً سيادياً يتعلق بإدارة الملاحة في المضيق".
أما في ما يخص السعودية فيشير إلى أن استهداف ناقلة سعودية "لا يعني بالضرورة انهيار مسار التقارب بين الرياض وطهران إذ إن العلاقات السياسية بين الدول لا تمنع وقوع أزمات ميدانية عندما يتعلق الأمر بملفات أمنية شديدة الحساسية مثل مضيق هرمز، الذي ما زال يمثل إحدى أهم أوراق النفوذ الإيرانية في المنطقة".
ويؤكد أن إيران "تحاول من خلال هذه الحوادث ترسيخ معادلة مفادها أن أي ترتيبات بحرية أو ممرات ملاحية لا تأخذ في الحسبان رؤيتها لدور المضيق ستواجه باعتراض عملي بصرف النظر عن هوية الدولة المالكة للسفينة، وهو ما يفسر شمول الاستهداف ناقلات تعود لدول ترتبط معها بعلاقات أو قنوات اتصال قائمة".
ويشير إلى أن أخطر ما في هذه التطورات "أنها تنقل الخلاف من الإطار السياسي إلى حركة التجارة والطاقة لأن استهداف ناقلات تابعة لدول خليجية رئيسية يوسع دائرة القلق لدى شركات الشحن وأسواق الطاقة، ويجعل أي حادثة في المضيق ذات تأثير يتجاوز أطراف الأزمة المباشرين إلى الاقتصاد العالمي بأكمله".
بدورها ترى صحيفة "العرب" القطرية أن استهداف الناقلة "الركيات" لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثاً عابراً؛ لأنه يمس حرية الملاحة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وأكدت أن الملاحة الدولية ليست امتيازاً تمنحه دولة لأخرى، "بل حق تكفله القواعد الدولية، وأن أي اعتداء عليها يهدد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي".
وأضافت أن أهمية الموقف القطري تتضاعف في ظل النهج الذي تبنته الدوحة طوال السنوات الماضية، والقائم على الحوار وخفض التصعيد وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، مضيفة أن استهداف ناقلة قطرية، في الوقت الذي تواصل فيه الدوحة دورها في دعم الاتصالات بين طهران وواشنطن، "لا يغيّر من موقفها الداعي إلى التهدئة، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه حماية مصالحها والرد عبر القنوات القانونية والدبلوماسية".
الناقلات في قلب الأزمة
تكتسب الهجمات على الناقلات القطرية والسعودية أهمية خاصة، فالسعودية من أكبر مصدري النفط الخام في العالم، وقطر من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال وتعتمد صادراتهما على استقرار حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.
وارتفعت أسعار النفط بعد الهجمات مباشرة، إذ صعد خام برنت بنحو 6% مقترباً من 76 دولاراً للبرميل وفق "رويترز"، في ظل مخاوف من اتساع التصعيد وتعطل حركة الشحن في المضيق، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.
كما تراجعت حركة السفن في المضيق بعد الهجمات ورفعت مراكز أمنية بحرية مستوى التهديد على الشحن التجاري، ويمثل ذلك مؤشراً على أن أي تصعيد في هرمز لا يبقى محصوراً في الدول المطلة عليه بل ينعكس سريعاً على الأسواق وشركات الشحن والتأمين وأسعار الطاقة.