سياسة وأمن » حروب

في قاع الخليج.. شرايين الإنترنت ورقة ضغط تلوح بها إيران

في 2026/05/20

كامل جميل - الخليج أونلاين 

في خرائط الصراع الحديثة لم تعد المضائق البحرية تُقاس فقط بعدد ناقلات النفط التي تعبرها يومياً، بل بحجم البيانات التي تمر في أعماقها بصمت.

بمضيق هرمز -الذي بات من بين أبرز مناطق الصراع في العالم خلال الأشهر الأخيرة- تمتد تحت مياهه شبكة كثيفة من كابلات الألياف الضوئية التي تحمل نبض الاقتصاد الرقمي للمنطقة، من المعاملات البنكية وأسواق المال، إلى الاتصالات الحكومية وخدمات الإنترنت التي تربط الخليج بالعالم.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية، بدأت هذه الكابلات تتحول من بنية تحتية غير مرئية إلى ورقة ضغط جيوسياسية شديدة الحساسية.

هرمز الرقمي

الكابلات البحرية هي ‌ألياف ضوئية أو كهربائية في قاع البحر لنقل البيانات والطاقة، وتنقل 99% من حركة بيانات الإنترنت في العالم، إضافة إلى الاتصالات والكهرباء بين الدول.

وتشمل أبرز الكابلات المارة عبر مضيق هرمز:

كابل "آسيا-أفريقيا-أوروبا 1" المعروف بـ AAE-1، الذي يربط جنوب شرق آسيا بأوروبا عبر الخليج ومصر.

شبكة "فالكون" التي تصل الهند وسريلانكا بدول الخليج.

منظومة "جسر الخليج الدولي" التي تربط دول المنطقة ببعضها، بما فيها إيران.

يجري العمل على شبكات إضافية جديدة تقود إحداها شركة "أريدو" القطرية.

خطاب يتغير

بالعودة إلى المخاطر التي تهدد هذه الكابلات، فقد حذر مقال نشرته وكالة "فارس" الإيرانية من حساسية هذه الكابلات، ووصفها بأنها بنية تحتية خفية يمكن أن تتحول إلى "نقطة ضعف استراتيجية".

وفي ذات الصدد تناولت وكالة "تسنيم" الإيرانية الملف من زاوية قانونية، متحدثة عن صلاحيات الدول الساحلية في تنظيم مرور الكابلات البحرية وصيانتها وفرض الرسوم المتعلقة بها.

ولم يتوقف الطرح الإيراني عند الجانب القانوني فقط، بل امتد إلى الحديث عن إمكانية استخدام الكابلات ضمن أدوات الضغط الإقليمي، عبر التلميح إلى أن تعطيلها أو استهدافها قد يربك الأسواق المالية ويؤثر على صادرات النفط والاتصالات في دول الخليج.

وزاد من حساسية هذه الرسائل تصريح المتحدث العسكري الإيراني إبراهيم ذو الفقاري عبر منصة "إكس"، حين قال: "سنفرض رسوماً على كابلات الإنترنت"، في إشارة عكست بوضوح انتقال الملف من النقاش التقني إلى دائرة الضغط السياسي.

سلاح بلا ضجيج

بعيداً عن سيناريوهات التخريب المباشر، تملك إيران ورقة أكثر هدوءاً وتأثيراً تتمثل في "التصاريح"؛ إذ يمكن لأي تأخير في منح الموافقات لسفن الصيانة أن يحول الأعطال التقنية العابرة إلى أزمة ممتدة زمنياً.

وتفيد بيانات "اللجنة الدولية لحماية الكابلات" بأن الشبكات البحرية تتعرض سنوياً لما بين 150 و200 عطل حول العالم، يعود معظمها إلى أنشطة بشرية عرضية مثل الصيد البحري أو مراسي السفن.

وفي هذا الإطار نقلت وكالة "رويترز" عن مدير الأبحاث في شركة "تليجيوغرافي" آلان مولدين قوله إن واحدة من أكبر مشكلات إصلاح الكابلات تتمثل في الحصول على تصاريح الدخول إلى المياه التي وقع فيها الضرر، وهي عملية قد تستغرق وقتاً طويلاً.

وهنا تحديداً تبرز حساسية مضيق هرمز، حيث يمكن للبيروقراطية أو التأخير الإداري أن يتحول إلى أداة ضغط غير مباشرة، دون الحاجة إلى أي مواجهة عسكرية معلنة.

سوابق مقلقة

أظهرت السنوات الماضية أن الكابلات البحرية ليست بعيدة عن الأزمات الدولية، وأن أي خلل فيها قد يترك آثاراً واسعة على الاقتصاد والاتصالات حول العالم، وبرز ذلك من خلال:

انقطاع أربعة كابلات قرب مصر عام 2008؛ أدى إلى اضطراب واسع في الإنترنت والاتصالات الدولية، مع تأثر 12 دولة عربية وتعطل كبير في الأسواق والخدمات.

ثوران بركاني في تونغا عام 2022 قطع كابلاً بحرياً وعزل الجزيرة شبه بالكامل عن العالم لمدة خمسة أسابيع.

في 2024 تعرض كابلان في بحر البلطيق للتلف قرب فنلندا والسويد وسط شبهات بتورط روسي، ما دفع "الناتو" إلى رفع مستوى التأهب.

هجمات الحوثيين واضطراب الملاحة في البحر الأحمر عام 2024 ألحقت أضراراً بكابلات، ما أثر على نحو 25% من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا.

صراع تحت الماء

الباحث في الشأن الاستراتيجي والأمني د. مصطفى الحديثي، الذي تحدث لـ"الخليج أونلاين"، يرى التهديدات الإيرانية المتعلقة بالكابلات البحرية، تمثل انتقالاً من سياسة "الضغط على شرايين الطاقة" إلى "الضغط على شرايين البيانات".

ويوضح أن هذا يشير إلى أن الاقتصاد العالمي لم يعد يعتمد فقط على تدفق النفط، وإنما يعتمد كذلك وبقوة على تدفق المعلومات.

وحول مضيق هرمز يقول الحديثي إن إيران تدرك أن المضيق يمثل عقدة استراتيجية للبنية التحتية الرقمية العالمية، خاصة مع مرور كابلات بحرية حيوية تربط الخليج وآسيا وأوروبا.

لذلك فإن التلويح بهذه الورقة -بحسب الحديثي- لا يهدف بالضرورة إلى قطع الإنترنت بشكل شامل، وإنما إلى خلق حالة ردع نفسي وسياسي عبر التذكير بأن أي مواجهة إقليمية قد تمتد إلى الفضاء الرقمي والاقتصادي العالمي.

وفي ما يخص السيناريوهات المتوقعة، يبيّن الباحث في الشأن الاستراتيجي والأمني أن السيناريو الأخطر لا يتمثل في القطع المباشر للكابلات؛ لأن ذلك سيخلق تداعيات على إيران نفسها أيضاً، وإنما في سيناريو الاستنزاف الرمادي.

ويتعلق السيناريو الرمادي بتعطيل عمليات الصيانة، أو إبطاء منح التصاريح، أو استهداف محدود وغير معلن يصعب إثبات طبيعته المتعمدة.

وهذا النوع من العمليات، وفق الحديثي، "يمنح هامش إنكار سياسي، لكنه قادر على إحداث اضطراب اقتصادي واسع، لا سيما في الأسواق المالية، وأنظمة المدفوعات، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصالات العسكرية".

ويواصل: "أما الأخطر استراتيجياً هو أن تدخل المنطقة مرحلة حرب البنية التحتية الصامتة، حيث تصبح الكابلات، والأقمار الصناعية، ومراكز البيانات، وخطوط الطاقة أهدافاً متبادلة ضمن حروب الضغط المتبادل"، موضحاً أن الخسائر المترتبة على هذه الحالة ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الرقمية والتجارة الإلكترونية وحتى أنظمة القيادة والسيطرة العسكرية.

لذلك يرى الحديثي أن "الرسالة الإيرانية الأساسية ليست إعلان نية لقطع الإنترنت، وانما إيصال تحذير بأن أي محاولة لخنق إيران اقتصادياً أو عسكرياً قد تقابل بتهديد مضاد للبنية التحتية العالمية الحساسة"، وهو ما يجعل أمن الكابلات البحرية اليوم جزءاً من الأمن القومي الدولي، وليس مجرد ملف تقني أو تجاري، على حدّ قوله.