سياسة وأمن » حروب

آلاف السفن محاصرة.. الملاحة الخليجية تحت وطأة الحرب الإقليمية

في 2026/03/22

طه العاني - الخليج أونلاين

تتفاقم أزمة الملاحة في الخليج مع دخول الحرب الإقليمية أسبوعها الرابع، حيث تتكدس آلاف السفن عند مداخل مضيق هرمز أو داخله، في مشهد يعدّ من أكبر حالات التعطيل البحري في تاريخ أسواق الطاقة.

وبين سفن عالقة وأخرى مُستهدفة، تتداخل الخسائر بين شركات الشحن والتأمين والدول المنتجة، وسط غياب ممرات آمنة واضحة حتى الآن.

وتطرح الأزمة تساؤلات حول من يتحمل كلفة هذا الشلل البحري، فالأضرار لم تعد تقتصر على التأخير اللوجستي، بل امتدت إلى نقص الإمدادات على متن السفن، وقفزات حادة في تكاليف الوقود والتأمين، فضلاً عن خسائر محتملة بعشرات المليارات، ما يعيد رسم معادلة المخاطر في أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

حصار بحري

وفي أحدث المعطيات، تُظهر بيانات المنظمة البحرية الدولية وتقارير إعلامية حتى 16 مارس أن نحو 1000 سفينة غير قادرة على عبور مضيق هرمز، فيما يقارب عدد السفن داخل الخليج نحو 3000 سفينة، مع تراجع حركة العبور بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بما قبل الحرب، وفق بيانات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية وتقارير دولية.

وتشير تقارير إعلامية، بينها لـ "BBC" في 11 مارس، إلى تعرض أنظمة الملاحة مثل (GPS) و(AIS) لتشويش وتلاعب في محيط مضيق هرمز، ما يؤدي إلى ظهور مواقع خاطئة للسفن ويضاعف مخاطر الحركة البحرية.

وتؤكد وكالة "فرانس برس" نقلاً عن غرفة الشحن الدولية أن نحو 20 ألف بحار على متن أكثر من 3000 سفينة عالقون في المنطقة، في وقت تتزايد فيه المخاطر التشغيلية والإنسانية.

وقال المدير البحري في الغرفة جون ستوبرت، إن القلق الأكبر يتمثل في نقص المؤن، لا سيما الوقود والمياه، مشيراً إلى تقارير عن صعوبات في إنتاج مياه صالحة للشرب على بعض السفن.

وتتزامن هذه الأزمة مع تصاعد الهجمات، إذ تشير بيانات حتى 13 مارس، إلى استهداف ما لا يقل عن 21 سفينة، مع تسجيل قتلى ومفقودين بين البحارة، وفق تقارير قُدمت إلى المنظمة البحرية الدولية من بينها تقرير إماراتي.

كما تؤكد هذه المعطيات أن المخاطر لم تعد نظرية، بل تحولت إلى تهديد مباشر لحياة الأطقم وسلامة السفن.

كلفة الخسائر

وتعكس تقديرات الأسواق حجم الخسائر المتراكمة، إذ حذرت وكالة "موديز"، في 12 مارس، من أن شركات التأمين البحري قد تواجه خسائر تصل إلى 40 مليار دولار في أسوأ السيناريوهات، نتيجة تعطل الشحن وارتفاع المخاطر في مضيق هرمز.

وتتسع دائرة الخسائر لتشمل تكاليف التشغيل، حيث سجل وقود السفن (IFO380) نحو 841.50 دولاراً للطن في 9 مارس، مقارنة بـ456 دولاراً في فبراير، وفق بيانات منصة "Ship & Bunker"، بينما تجاوز السعر في سنغافورة 1073 دولاراً للطن.

ويعكس هذا الارتفاع ضغطاً مزدوجاً على شركات الشحن بين كلفة الوقود والتأمين والخدمات اللوجستية.

في السياق ذاته تشير تحليلات شركات الوساطة مثل "Braemar" إلى أن ما لا يقل عن خُمس صادرات العالم من زيت الوقود عالي الكبريت عالق في الشرق الأوسط، ما يفاقم اختلالات السوق.

كما توضح شركة "Paratus" أن الأزمة الحالية تدفع السوق نحو مرحلة قد يتحول فيها الارتفاع السعري إلى أداة لتقليص الطلب، في ظل صعوبة إعادة توجيه الإمدادات.

مخاطر التعطيل

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد صدام، أن انعكاسات الحرب الراهنة على قطاع الملاحة في الخليج العربي تجاوزت حدود المنطقة لتلقي بظلالها على حركة التجارة العالمية.

ويحذر صدام في حديثه لـ"الخليج أونلاين" من أن تعطل التدفقات عبر المضيق هرمز يهدد بخفض المعروض النفطي في الأسواق الدولية بشكل حاد.

ويبين أن الأضرار الاقتصادية تنسحب بشكل مباشر على السفن العالقة التي تواجه تصاعداً مستمراً في نفقاتها التشغيلية، تزامناً مع قفزات أقساط التأمين البحري، وتعثر الوفاء بالعقود المبرمة مع الأطراف التجارية المختلفة نتيجة التأخير القسري.

ويشير إلى لجوء الموانئ الخليجية منذ اندلاع الأزمة إلى استراتيجية إعادة جدولة الأولويات في مناطق الانتظار، حيث تمنح الأولوية القصوى لناقلات النفط لضمان تدفق الطاقة، وهو ما يستدعي رفع كفاءة العمليات الميدانية وتقليل زمن إرساء السفن عبر تكثيف الجهد البشري والفرق التشغيلية.

ويعتقد صدام أن كلفة التأخير ترتبط قانونياً بنوعية العقود المبرمة، وبينما يتحمل المستأجر عادة التكاليف في الظروف الاعتيادية، فإن واقع "القوة القاهرة" الحالي يفرض معادلة مختلفة تقوم على تقاسم الخسائر بين الملاك والمستأجرين لتخفيف وطأة الضرر المالي.

ويؤكد أن تحول أقساط التأمين إلى أزمة هيكلية يرتبط بمدى قدرتها على شل حركة التجارة، مشيراً إلى أن امتناع الشركات عن دخول مناطق الصراع سيدفعها لإعادة رسم مساراتها الملاحية، مما قد يولد اختناقات حادة في الإمدادات العالمية.

ممرات آمنة

وعلى المستوى السياسي والأمني، تتباين المواقف الدولية بشأن تأمين الملاحة، إذ دعت الولايات المتحدة، وفق تقارير إعلامية في 16 مارس، إلى تشكيل تحالف بحري لحماية المضيق، إلا أن الاستجابة الدولية جاءت محدودة، مع تحفظ دول كاليابان وبريطانيا وأستراليا على الانخراط العسكري المباشر.

في المقابل تكشف تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في 17 مارس، عن اعتماد طهران سياسة عبور انتقائي تسمح بمرور سفن دول محددة مثل الهند وباكستان وتركيا، فيما يبقى المضيق فعلياً مغلقاً أمام سفن الدول الغربية وحلفائها.

وتدفع هذه المعادلة إلى تعقيد مسألة الخروج من الأزمة، حيث تؤكد غرفة الشحن الدولية الحاجة إلى "ممر فعال" بضمانات دولية، يشمل ليس فقط الحماية العسكرية بل أيضاً تبادل المعلومات الاستخبارية لتقييم المخاطر.

كما دعت دول مثل اليابان وسنغافورة والإمارات، في اجتماعات المنظمة البحرية الدولية، إلى وضع إطار دولي لتأمين إجلاء السفن والبحارة من المناطق عالية الخطورة.

ويرى مراقبون أن استمرار تعطّل الملاحة في مضيق هرمز لا يعكس مجرد أزمة عابرة، بل يكشف تحوّل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط في الصراع، حيث تتوزع كلفة التعطيل بين أطراف متعددة دون جهة قادرة على احتوائها سريعاً.

ويتّضح مما سبق، أنّ عودة الملاحة الطبيعية تبقى مرهونة بتفاهمات سياسية وأمنية لم تنضج بعد، ما يعني استمرار بقاء آلاف السفن في حالة انتظار مكلفة، مع تزايد الضغوط على جميع أطراف سلسلة الإمداد العالمية.