سياسة وأمن » حروب

حامي البحار .. هل تغير باكستان موازين القوى البحرية؟

في 2026/03/16

طه العاني - الخليج أونلاين

تتحرك باكستان لتعزيز حضورها البحري في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد الحرب على إيران وتزايد المخاوف من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة حول المضيق، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يضع أمن الممرات البحرية في قلب التوازنات الاقتصادية والعسكرية في المنطقة.

عملية بحرية

وفي ظل الحرب الدائرة على إيران وتصاعد التوترات في الخليج، تسعى باكستان إلى تعزيز حضورها البحري لحماية طرق التجارة وإمدادات الطاقة التي يعتمد عليها اقتصادها بدرجة كبيرة.

ووفق ما نقلته وكالة "رويترز"، في 9 مارس 2026، أعلن الجيش الباكستاني إطلاق عملية بحرية تحت اسم "حامي البحار"، تهدف إلى حماية الممرات الملاحية وضمان استمرار التجارة البحرية وإمدادات الطاقة دون انقطاع.

وأوضحت الخدمة الإعلامية للجيش أن العملية تستهدف تأمين ما وصفته بـ"خطوط الاتصال" في البحر، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطراب حركة الملاحة نتيجة التصعيد العسكري في المنطقة والتهديدات المتبادلة حول مضيق هرمز.

كما أشار البيان إلى أن نحو 90% من تجارة باكستان الخارجية تمر عبر البحر، ما يجعل أمن الممرات البحرية مسألة استراتيجية للاقتصاد الوطني، مؤكداً أن القوات البحرية في حالة تأهب للاستجابة لأي تحديات أمنية قد تؤثر في حركة الملاحة الإقليمية.

مرافقة السفن

وبدأت البحرية الباكستانية بالفعل تنفيذ إجراءات ميدانية لتأمين حركة الملاحة، من خلال مرافقة السفن التجارية بالتنسيق مع شركة الشحن الوطنية الباكستانية.

وأوضحت البحرية أن سفينتين تجاريتين تخضعان حالياً لمرافقة بحرية، على أن تصل إحداهما إلى ميناء كراتشي في اليوم نفسه، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار تدفق السلع وإمدادات الطاقة إلى البلاد.

وأكدت البحرية أن قواتها تبقى في حالة جاهزية كاملة للتعامل مع أي تهديدات محتملة في الممرات البحرية، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالتوترات العسكرية في المنطقة وتأثيرها المحتمل في حركة الشحن الدولية.

ويضم الأسطول البحري الباكستاني أكثر من 121 قطعة بحرية، بينها 8 غواصات، و9 فرقاطات، و3 كاسحات ألغام، لكنه يفتقر إلى حاملات طائرات أو مدمرات بحرية، وهو ما يحد من قدراته في العمليات البحرية واسعة النطاق.

ويرى مراقبون أن انخراط باكستان في تأمين طرق الملاحة، حتى وإن كان في إطار حماية تجارتها الوطنية، يعكس اتجاهاً أوسع نحو زيادة الحضور العسكري للدول الإقليمية في أمن الممرات البحرية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اضطراب الملاحة في الخليج.

رسائل قوة

يؤكد المحلل العسكري والاستراتيجي، العميد أسعد الزعبي، أن انخراط باكستان في موازين القوى البحرية يعكس بروز قوة عالمية صاعدة ذات خبرة قتالية طويلة، مشيراً إلى أن مكانتها كدولة نووية تمنحها ثقلاً استثنائياً في أي صراع قادم، حيث تساهم قدراتها في تعزيز الأمن العالمي ومنع القرصنة في أعالي البحار.

ويضيف لـ"الخليج أونلاين" أن حرص باكستان على تأمين الملاحة ينبع من حاجتها الحيوية لموارد الطاقة الخليجية، لافتاً إلى أن هذا التوجه يمثل إجراءً استباقياً مشروعاً لحماية المصالح الوطنية وتدفق الإمدادات الضرورية في ظل التوترات الإقليمية.

كما يشير الزعبي إلى أن الدولة التي حققت الردع النووي تمتلك بالضرورة أساطيل وقدرات تقنية تؤهلها لفرض مناطق ملاحية آمنة، مؤكداً أن إطلاق مبادرة "حامي البحار" يعكس ثقة إسلام آباد الكاملة في حماية خطوط التوريد والتصدير الخاصة بها ضد أي تهديدات محتملة.

ويعتقد المحلل العسكري أن "الخطوة الباكستانية تحمل رسالة مزدوجة للقراصنة والأطراف التي تحاول عرقلة إمدادات النفط، وتحديداً إيران، حيث تهدف المبادرة لمنع أي عمل قد يحرم إسلام آباد من مخصصاتها الطاقية، مستندة في ذلك إلى تحالفاتها الاستراتيجية المتينة مع السعودية".

ويلفت إلى أن "الرسائل الباكستانية تجمع بين التهديد العسكري المباشر والدبلوماسية"، موضحاً أن "إسلام آباد لن تسمح بأي عبث في مضيق هرمز أو استهداف للناقلات التي تعتمد عليها، وهي قادرة على حماية أهدافها بفضل تفوقها التكنولوجي الميداني".

ويردف الزعبي أن "مكاسب باكستان تكمن في إثبات حضورها كدولة إقليمية فاعلة، مما يبعث برسائل قوة للجوار بأنها لن تتنازل عن حماية مصالحها وتأمين حقوق شعبها خارج حدودها، وهو ما يعزز الثقة بينها وبين الدول المصدرة للنفط كحليف موثوق في معادلة الأمن البحري".

عقدة هرمز

وتتزامن التحركات الباكستانية مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، نظراً لدوره الحيوي في نقل الطاقة والتجارة الدولية.

وبحسب تقارير إعلامية دولية، بينها تقرير لموقع أكسيوس الأمريكي والجزيرة في مارس 2026، يمر عبر المضيق نحو 25% من تجارة النفط البحرية العالمية و20% من شحنات الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الأسمدة والمواد الصناعية.

ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقطة نحو 21 ميلاً بحرياً، فيما تمر السفن التجارية عبر ممرات ملاحية ضيقة يمكن التنبؤ بها بسهولة، ما يمنح إيران قدرة أكبر على مراقبة أو تهديد حركة السفن في حال تصاعد المواجهة.

كما يشير خبراء عسكريون إلى أن طهران تعتمد في استراتيجيتها البحرية على الحرب غير المتكافئة عبر استخدام الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام البحرية والغواصات الصغيرة، وهي وسائل قادرة على تعطيل الملاحة حتى في ظل وجود عسكري دولي كثيف في المنطقة.

وقد بدأت بالفعل مؤشرات التوتر تنعكس على الأسواق العالمية، إذ تجاوزت أسعار النفط 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2022، وسط تحذيرات من أن أي تعطيل طويل للملاحة في المضيق قد يطلق موجة صدمة جديدة في الاقتصاد العالمي.

كما تصاعدت حدة التصريحات السياسية، إذ توعدت طهران بعدم السماح بتصدير النفط من المنطقة إذا استمرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية عليها، بينما حذرت واشنطن من أن أي محاولة لإغلاق المضيق ستواجه برد عسكري أشد، ما يضع الممر البحري الحيوي في قلب معادلة التصعيد الإقليمي.