في 2026/03/15
كامل جميل - الخليج أونلاين
تعيش دول الخليج منذ أسابيع، على وقع تصعيد أمني غير مسبوق، جراء الهجمات الإيرانية الأخيرة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكن هذه الأحداث لم تقتصر على ساحات الصراع، بل دخلت صميم حياة المواطنين اليومية، مؤثرة على الروتين الشخصي والعائلي.
الأمان أصبح سلعة نادرة، حيث يشعر السكان بأن كل يوم طبيعي بات مرتبطاً بالإنذارات وتحركات الصواريخ، وأن أبسط التحركات اليومية تتطلب التخطيط الدقيق والتقيد بالإرشادات الأمنية؛ فمع تكرار الهجمات، أصبح البقاء في المنزل وتقليل التنقلات سلوكاً اعتيادياً.
الهجمات أثرت أيضاً على العمل والتعليم، فيما تغيرت الروتينات الاجتماعية المعتادة، حيث بات السكان يعتمدون على جدول طوارئ منزلي ينسق بين الحاجة للبقاء في أمان وإدارة الاحتياجات اليومية.
تحرك السكان وملازمة المنازل
أجبرت الهجمات الأخيرة السكان على إعادة ترتيب حياتهم اليومية، من الملازمة المنزلية إلى الحد من التنقلات، وهو ما دعت إليه المؤسسات الأمنية.
وزارة الداخلية القطرية حذرت من مغادرة المنازل والابتعاد عن النوافذ حفاظاً على السلامة العامة، فيما دعت البحرين مواطنيها للالتزام بالمنازل بعد هجوم استهدف خزانات الوقود.
وفي الإمارات، أرسلت السلطات رسائل نصية عاجلة لكل المواطنين والمقيمين تحثهم على "البقاء في الداخل" وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى.
هذه الإجراءات أسهمت في إعادة تشكيل قرارات الأسر اليومية، مع إلغاء الرحلات والزيارات وتأجيل المواعيد الاجتماعية والترفيهية.
العمل والتعليم عن بُعد
لضمان استمرارية الأعمال وحماية الموظفين والطلاب من مخاطر النزاع، تحولت المدارس والجامعات في بعض دول الخليج إلى نظام التعليم عن بُعد، ما يعكس تأثير النزاع على نظم التعليم والعمل التقليدية.
في البحرين، قررت وزارة التربية والتعليم تحويل جميع المؤسسات التعليمية إلى نظام التعليم عن بُعد، فيما فعّلت الأجهزة الحكومية العمل عن بُعد بنسبة 70%، في خطوة لحماية الموظفين والطلاب من مخاطر النزاع.
قطر أعلنت استمرار العمل عن بُعد في جميع الوزارات والهيئات، وتحويل الدراسة في المدارس والجامعات إلى نظام التعلم الإلكتروني حتى إشعار آخر.
وفي الكويت أيضاً، تعطلت المدارس حضورياً وتم اعتماد التعليم عن بعد لضمان سلامة الطلاب.
أمر بديهي أن تتخذ الدول الخليجية هذه الخطوات في مسعى لحماية سكانها، وهو ما يدعو السكان من جانبهم إلى المشاركة في تحمل المسؤولية، بحسب ما تذكر الكاتبة فاطمة بنت يوسف الغزال، في مقال نشرته صحيفة "الشرق" القطرية، حمل عنوان "رسالة طمأنينة في زمن القلق".
تقول الغزال إن مسؤولية المجتمع اليوم لا تقتصر على متابعة الأحداث، بل تمتد إلى تعزيز الطمأنينة داخل البيوت، خاصة في نفوس الأطفال، والالتزام بالتوجيهات الرسمية، والثقة في قدرة الدولة على حماية المجتمع وتأمين احتياجاته.
وتشير إلى أنه حين "يجتمع وعي المجتمع مع جاهزية الدولة، تبقى الطمأنينة هي العنوان الأبرز للحياة في وطن آمن ومستقر".
مجابهة الشائعات
من جانب آخر، وفي ظل الأوضاع الأمنية الراهنة، ظهرت الشائعات والأخبار المضللة بصفتها أحد أدوات الحرب النفسية.
وفي هذا الشأن سلطت دول الخليج الضوء على خطورة تداول المعلومات غير الدقيقة، مشددين في بيانات رسمية على ضرورة الاعتماد على المصادر الرسمية لتجنب الذعر.
في ذات الخصوص، تظهر الهواتف المحمولة لتكون أداة مزدوجة، فهي من جهة تنقل التحذيرات والإشعارات الرسمية، ومن جهة أخرى تصبح منصة لتناقل المعلومات المغلوطة، مما يجعل متابعة كل تنبيه أو إشعار أمراً حيوياً للسكان لتحديد تحركاتهم اليومية.
في هذا الجانب، يشير الكاتب فراس طرابلسي في مقال نشرته صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تدار بالسلاح فقط، بل ترافقها معركة إعلامية موازية تتنافس فيها الروايات والصور والمقاطع بهدف التأثير في الرأي العام وإرباك المشهد المعلوماتي.
ويرى طرابلسي أن وعي المجتمع يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الفوضى، مؤكداً أن هدوء المجتمع في الأزمات يعكس ثقته بمؤسساته ويسهم في تعزيز تماسك الجبهة الداخلية.
وشدد على أن التحقق من الأخبار والاعتماد على المصادر الرسمية وتجنب تداول المعلومات غير الموثوقة عوامل أساسية للحفاظ على توازن المجتمع ومنع الشائعات من تضخيم الأحداث أو تشويه صورتها.
أسواق الغذاء والخزين الاستراتيجي
نظراً إلى أن غالبية المواد الغذائية تستورد من الخارج، خاصة في دول قطر والكويت والبحرين والإمارات، كان من البديهي ظهور مؤشرات زيادة الطلب على المواد الغذائية مع بدء التهديدات الأمنية على دول الخليج.
وهنا تدخلت السلطات لضمان استقرار الأسواق وحماية الأمن الغذائي، حيث كثفت دول الخليج الرقابة على الأسواق.
الإمارات أكدت أن منظومة الأمن الغذائي "خط أحمر"، ووزارة الاقتصاد تتابع الأسعار عبر منصة رقمية ترتبط بـ627 منفذ بيع.
قطر والكويت والبحرين أعلنت عن مخزون استراتيجي يكفي لشهور عدة، وتم منع تصدير بعض السلع، وتثبيت الأسعار لضمان استقرار الأسواق المحلية.
كل ما سبق يشير إلى أن الحرب الإيرانية على دول الخليج لم تعد بعيدة عن الحياة اليومية، بل دخلت كل زاوية من روتين المواطنين، من ملازمة المنازل إلى التعليم عن بعد، من إشعارات الهاتف إلى التخزين الغذائي، ومن الزيارات الرمضانية إلى جداول الطوارئ الأسرية.
فمع كل صفارة إنذار، يتغير معنى اليوم الطبيعي، ويصبح الالتزام بالإرشادات الرسمية ومتابعة الأخبار الرسمية هو حماية الأفراد والأسر.
في مقال عنوانه "علمتنا الاعتداءات" نشرته صحيفة "الإمارات اليوم"، تقول الكاتبة أمل المنشاوي: "علمتنا الاعتداءات الثقة بكل جندي وشرطي وكل مسؤول، فتمنينا لو شددنا على أياديهم، مع كل رسالة تحذير أو تطمين".
وتواصل قائلة: "أي إحساس بالأمان أكثر من أن توقظك أصوات اعتراض الصواريخ ثم تعاود نومك مرة أخرى كأن شيئاً لم يكن، كل ذلك لثقتك بأن هناك من يحميك".
وتابعت: "علمتنا الاعتداءات أن الاقتصاد بخير، فلم نتسابق على تخزين الطعام والمياه، كما يدعو المغرضون، فالأسواق مستقرة، وعجلة العمل والتعليم والحياة تسير رغم الافتراءات".