سياسة وأمن » حروب

من الدفاع العسكري إلى النفسي.. الخليج يُحصّن الجبهة الداخلية

في 2026/03/05

سلمى حداد - الخليج أونلاين

مع تصاعد الحرب الإيرانية بدأت دول الخليج تتعامل مع الأزمة عبر مقاربة أمنية متعددة الأبعاد، تتجاوز الإطار العسكري التقليدي، فإلى جانب تعزيز أنظمة الدفاع الجوي ومراقبة المجال الجوي، تتجه الحكومات الخليجية إلى تحصين الجبهة الداخلية نفسياً واجتماعياً، في محاولة لاحتواء القلق العام الذي تثيره الأخبار المتسارعة عن الصراع في المنطقة.

وهذا التحرك يعكس تحولاً تدريجياً في مفهوم الأمن الإقليمي، حيث لم يعد يقتصر على حماية الحدود والمنشآت الحيوية، بل بات يشمل أيضاً الحفاظ على الاستقرار النفسي للمجتمع، خصوصاً في ظل الانتشار السريع للمعلومات ومقاطع الفيديو المرتبطة بالحروب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، بدأت حكومات ومؤسسات صحية ومراكز علاجية في الخليج إطلاق مبادرات للدعم النفسي، وتكثيف حملات التوعية، في محاولة لتقليل تأثير القلق الجماعي وتعزيز قدرة المجتمع على التكيف مع حالة عدم اليقين.

جبهتان للأمن

تتعامل دول الخليج حالياً مع التوترات الإقليمية عبر جبهتين متوازيتين: الأولى عسكرية تهدف إلى حماية المجال الجوي عبر أنظمة الدفاع الصاروخي والرادارات المتقدمة، والثانية اجتماعية تهدف إلى احتواء التأثيرات النفسية للأحداث الأمنية.

هذا النهج يعكس إدراكاً متزايداً لدى الحكومات بأن الأزمات العسكرية والحروب في العصر الرقمي لا تؤثر فقط على الجغرافيا، بل تمتد آثارها إلى المزاج العام للمجتمعات، خاصة مع التدفق المستمر للأخبار العاجلة والتغطيات المباشرة.

ومع تزايد انتشار مقاطع الصواريخ والانفجارات عبر منصات التواصل الاجتماعي وسماع دوي انفجارات الاعتراضات الجوية للصواريخ والطائرات المسيرة، أصبح القلق الجماعي أحد التحديات التي تسعى الحكومات إلى إدارتها بالتوازي مع إدارة المخاطر الأمنية.

خطوط دعم نفسي

في هذا الإطار، أعلنت دائرة الصحة في أبوظبي تفعيل الخط الساخن "800- سكينة" لتقديم خدمات الدعم النفسي على مدار الساعة.

ووفق بيان نشره مكتب إعلام أبوظبي، في 2 مارس الجاري، يوفر الخط خدمات الرعاية النفسية الأولية مع إمكانية الوصول المباشر إلى مختصين مؤهلين لتقديم الدعم الفوري باللغتين العربية والإنجليزية.

كما تشمل الخدمات برامج مخصصة للأطفال والعائلات، إضافة إلى تقديم استشارات بشأن القلق ونوبات الهلع والتوتر وصعوبات النوم، وغيرها من التحديات المرتبطة بالصحة النفسية.

وقالت نورة خميس الغيثي، وكيلة دائرة الصحة في أبوظبي، في تصريحات نقلها البيان: "إن تفعيل الخط يأتي في إطار الالتزام بإتاحة خدمات الدعم النفسي بشكل مباشر وميسر، وتمكين الأفراد من تجاوز الصعوبات المرتبطة بالظروف الراهنة عبر استجابة سريعة ومستدامة".

وأشارت إلى أن المنظومة الصحية في الإمارة تواصل عملها وفق معايير السلامة والفاعلية، داعية أفراد المجتمع إلى التعبير عن مخاوفهم وطلب الدعم عند الحاجة.

وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة الإمارات اليوم، في 3 مارس الجاري، أن الخط يهدف إلى توفير مساحة آمنة للتواصل وتلقي المشورة الموثوقة بما يعزز الشعور بوجود منظومة دعم شاملة إلى جانب السكان والزوار.

ولم تقتصر مبادرات الدعم النفسي على الجهات الحكومية، إذ بدأت عيادات ومؤسسات صحية في الإمارات إطلاق خدمات دعم مجانية للسكان لمساعدتهم على التعامل مع الضغوط المرتبطة بالأحداث الإقليمية.

ووفق تقرير نشرته صحيفة "The National" الإماراتية، في 2 مارس 2026، أطلقت عدة عيادات ومراكز صحية جلسات دعم نفسي عبر الإنترنت وخطوط مساعدة على مدار الساعة، في خطوة تهدف إلى تقديم الدعم للأشخاص الذين يواجهون القلق أو الضغوط النفسية نتيجة حالة عدم اليقين.

وشملت هذه المبادرات إطلاق منصة (MedicoArabia) خطاً ساخناً مجانياً يوفر استشارات نفسية سرية عبر الهاتف أو الرسائل النصية مع مختصين مؤهلين للتعامل مع حالات القلق والصدمات النفسية.

كما نظمت عيادات مثل (Lighthouse Arabia) و(Sage Clinics) في دبي جلسات دعم مباشرة عبر الإنترنت وورش عمل للأسر والطلاب لمساعدتهم على التعامل مع الضغوط المرتبطة بالأحداث الجارية.

وفي السياق نفسه، قدمت بعض المبادرات المجتمعية جلسات للتأمل وتقنيات التنفس بهدف مساعدة السكان على تهدئة التوتر وتحسين الاستقرار النفسي.

الأطفال الحلقة الأضعف

يرى مختصون أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر عرضة للتأثر بالأحداث الأمنية، خصوصاً في ظل انتشار مقاطع الفيديو المرتبطة بالحروب على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، دعت وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة في قطر الأسر إلى تعزيز التواصل مع الأطفال ومساعدتهم على التعامل مع مخاوفهم.

وقالت الوزارة، في منشور عبر حسابها الرسمي على منصة "إكس": "في ظل الأوضاع التي تشهدها المنطقة، يحتاج أطفالنا إلى طمأنينة مضاعفة وحضور أكثر دفئاً منّا. فلنقترب منهم ونصغِ لمخاوفهم ونجيب عن تساؤلاتهم بهدوء".

وتعكس هذه الرسائل الحكومية إدراكاً متزايداً بأن إدارة الأزمات تتطلب أيضاً توجيه الأسر والمجتمع للتعامل مع الآثار النفسية للأحداث.

ويصف خبراء الصحة النفسية هذه الحالة باسم "الخوف من الحرب"، وهو رد فعل نفسي طبيعي يظهر عند التعرض المتكرر لأخبار النزاعات أو التهديدات العسكرية.

وقال الطبيب النفسي الأردني، وليد سرحان، في تدوينة نشرها عبر حسابه على فيسبوك، إن "الخوف من الحرب قد يظهر في شكل قلق مستمر وتوتر وصعوبة في النوم وخفقان القلب، إضافة إلى متابعة الأخبار بشكل مفرط وصعوبة التركيز".

وأوضح أن تقليل القلق يتطلب تحديد وقت محدد لمتابعة الأخبار والاعتماد على مصادر موثوقة وممارسة تمارين التنفس والحفاظ على الروتين اليومي.

وأشار إلى أن طلب المساعدة المهنية يصبح ضرورياً إذا استمر القلق مدة طويلة أو تسبب في نوبات هلع أو أثر على الأداء الوظيفي أو العائلي.

الصحة النفسية بالخليج قبل الأزمة

ورغم أن الاهتمام بالصحة النفسية في الخليج كان في السابق محاطاً بقدر من الحساسية الاجتماعية، فإن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً ملحوظاً في هذا المجال.

فقد أطلقت الحكومات الخليجية برامج توعية ووسعت خدمات الرعاية النفسية ضمن خطط تحسين جودة الحياة.

في السعودية، تبنى المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية في استراتيجيته الجديدة للفترة 2025–2030 عدداً من المبادرات لتعزيز الوعي بالصحة النفسية.

وكشفت دراسة حديثة أصدرها المركز ونقلها موقع "العربية نت" أن متوسط معدل الوعي بالصحة النفسية في المملكة بلغ 93.02%، ما يعكس ارتفاع مستوى الإدراك المجتمعي لأهمية هذا المجال.

وفي قطر، عملت وزارة الصحة العامة بالتعاون مع مؤسسات مثل مؤسسة حمد الطبية ومؤسسة الرعاية الصحية الأولية على توسيع خدمات الدعم النفسي.

وشملت الخطوات إنشاء ثماني عيادات للصحة النفسية في مراكز صحية رئيسية تغطي مختلف المناطق الجغرافية.

كما تقدم هذه العيادات نحو 50 جلسة علاجية أسبوعياً تشمل الاستشارات النفسية والطب النفسي المتكامل وعلاج اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة للأطفال والبالغين.

أما في سلطنة عمان، فقد سجلت عيادات الأمراض النفسية زيادة في الإقبال خلال السنوات الماضية لتبلغ نحو 108 آلاف زيارة سنوياً، وفق ما ذكرته صحيفة عُمان في تقرير سابق.

وفي البحرين، استضافت المملكة، في أكتوبر الماضي، المؤتمر البحريني الأول للطب النفسي في إطار جهود تعزيز الوعي بالصحة النفسية.

وقال الدكتور عبد اللطيف الحمادة، الرئيس التنفيذي والمدير الطبي لمستشفى سلوان للطب النفسي، في تصريحات نقلتها صحيفة الوطن البحرينية إن التحول التدريجي في إدراك الصحة النفسية يمثل خطوة إيجابية نحو تحسين الرعاية النفسية للمجتمع.

وفي الإمارات، أطلقت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، في أكتوبر الماضي، حملة توعية بعنوان "صحتنا النفسية مسؤوليتنا جميعاً"، لتعزيز الوعي بالصحة النفسية وتقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمراض النفسية.

كما أعلنت المؤسسة، مطلع عام 2026، إدخال تقنية العلاج النفسي باستخدام الواقع الافتراضي ضمن خدماتها العلاجية بهدف تطوير خطط علاجية متقدمة وتوسيع نطاق الوصول إلى خدمات الصحة النفسية.

أهمية الدفاع النفسي

وإلى جانب البعد الصحي، تحمل هذه المبادرات رسالة سياسية واجتماعية مفادها أن الحكومات الخليجية تسعى إلى طمأنة السكان بأن مؤسسات الدولة حاضرة لدعم المجتمع في أوقات الأزمات.

ويرى مراقبون أن إطلاق خطوط الدعم النفسي وتكثيف حملات التوعية يعكس تحولاً في إدارة الأزمات، حيث تسعى الحكومات إلى حماية المجتمع من آثار القلق الجماعي بنفس قدر اهتمامها بحماية المجال الجوي.

وتقول الطبيبة النفسية والأكاديمية في جامعة فلسطين بغزة، الدكتورة هيفاء سمور، إن الخطوات التي اتخذتها دول الخليج في مجال الدعم النفسي خلال الأزمة الحالية تمثل تطوراً مهماً في طريقة إدارة الأزمات، إذ لم يعد التعامل مع الحروب يقتصر على الجوانب العسكرية فقط".

وتضيف سمور، في حديثها لـ"الخليج أونلاين"، أن "الأزمات الأمنية والحروب لا تؤثر فقط على البنية التحتية أو الاقتصاد، بل تمتد آثارها إلى الصحة النفسية للمجتمعات، خاصة في ظل تدفق الأخبار والصور المرتبطة بالنزاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

وتوضح أن ما يعرف في علم النفس بـ"الصدمة غير المباشرة" أصبح ظاهرة متزايدة في العصر الرقمي، حيث يمكن للأفراد أن يشعروا بالقلق والخوف رغم عدم تعرضهم المباشر للأحداث، وذلك نتيجة المتابعة المستمرة للمشاهد المرتبطة بالحروب أو التهديدات الأمنية.

[غارات]

وتشير إلى أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر حساسية تجاه هذه الظروف، لأنهم لا يمتلكون الأدوات المعرفية الكافية لفهم ما يحدث حولهم، ما يجعلهم أكثر عرضة لمشاعر الخوف واضطرابات النوم والقلق الليلي.

وتذكر سمور أن إطلاق خطوط الدعم النفسي، وتنظيم جلسات التوعية، وتقديم الإرشادات للأسر حول كيفية التعامل مع مخاوف الأطفال، تمثل إجراءات مهمة للحد من التأثيرات النفسية للأزمات.

وتقول: "هذه المبادرات لا تقل أهمية عن الإجراءات الأمنية، لأن الاستقرار النفسي للمجتمع هو جزء أساسي من منظومة الأمن الوطني. عندما يشعر الناس بأن هناك دعماً متاحاً وأن الدولة تتابع احتياجاتهم النفسية، فإن ذلك يقلل من القلق الجماعي ويعزز الثقة بالمؤسسات".

وتلفت سمور إلى أن المجتمعات التي تستثمر في الصحة النفسية قبل الأزمات تكون أكثر قدرة على التكيف خلال الأزمات، وهو ما يظهر في تجربة عدد من دول الخليج التي عملت خلال السنوات الماضية على تطوير خدمات الصحة النفسية وتوسيع برامج التوعية.

وتضيف أن إدماج الصحة النفسية ضمن خطط إدارة الطوارئ يعكس تحولاً مهماً في فهم مفهوم الأمن، إذ باتت الحكومات تدرك أن الحروب الحديثة لا تؤثر فقط في الميدان العسكري، بل أيضاً في الحالة النفسية للمجتمعات.

وتؤكد الطبيبة سمور أن توفير خدمات الدعم النفسي خلال الأزمات يساهم في تقليل احتمالات انتشار القلق الجماعي والشائعات، ويساعد الأفراد على التعامل مع الأخبار بطريقة أكثر توازناً، ما يعزز قدرة المجتمع على الحفاظ على الاستقرار في أوقات التوتر.