سياسة وأمن » حروب

إيران تنقل المواجهة إلى منشآت الطاقة الخليجية.. ما أبعاد ذلك؟

في 2026/03/03

يوسف حمود - الخليج أونلاين

شهدت منطقة الخليج خلال الأيام الأخيرة تصعيداً أمنياً طال منشآت طاقة ومصافي نفط ومحطات كهرباء وموانئ وناقلات بحرية، عقب ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت إيران، وما أعقبها من هجمات إيرانية على دول في المنطقة، وفق بيانات رسمية صادرة عن الحكومات الخليجية.

وتوزعت الحوادث بين الدول الخليجية، حيث أعلنت الجهات الرسمية اعتراض طائرات مسيرة وسقوط شظايا في مواقع حيوية، مع تسجيل إصابات بشرية محدودة في بعض الحالات، وتفعيل خطط الطوارئ والاستجابة السريعة في المنشآت المستهدفة.

ورغم حساسية المواقع التي شملتها الهجمات، أكدت الحكومات والشركات النفطية استمرار العمليات التشغيلية وعدم تأثر الإمدادات المحلية أو الصادرات مباشرة، في وقت رفعت فيه دول الخليج مستوى الجاهزية الأمنية حول البنية التحتية للطاقة والمرافق الاستراتيجية.

السعودية.. استهداف رأس تنورة

أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير مسيرتين حاولتا استهداف مصفاة رأس تنورة في المنطقة الشرقية (2 مارس)، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، مؤكدة أن عملية الاعتراض نجحت بالكامل قبل وصول المسيّرتين إلى أهدافهما داخل المنشأة النفطية.

وأوضحت الجهات الرسمية أن سقوط الشظايا أدى إلى اندلاع حريق محدود داخل المصفاة، تمت السيطرة عليه سريعاً من قبل فرق الإطفاء، دون تسجيل أي إصابات بين العاملين أو المدنيين، ودون وقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية.

وأكدت وزارة الطاقة أن الإمدادات المحلية من النفط ومشتقاته لم تتأثر بالحادث، كما استمرت عمليات التصدير بشكل طبيعي، مع اتخاذ إجراءات احترازية شملت إيقاف بعض الوحدات التشغيلية مؤقتاً لإجراء تقييمات فنية دقيقة.

ويعد رأس تنورة أكبر ميناء لشحن النفط في العالم، ويضم واحدة من أكبر المصافي في الشرق الأوسط بطاقة إنتاجية تتجاوز 550 ألف برميل يومياً، ما يجعله موقعاً محورياً في منظومة الطاقة العالمية وحركة الصادرات الهيدروكربونية.

قطر.. استهداف مسيعيد ورأس لفان

وزارة الدفاع القطرية أعلنت بدورها (2 مارس) استهداف مسيّرتين لمنشآت طاقة في البلاد، حيث أصابت إحداهما خزان مياه تابعاً لمحطة توليد كهرباء في مسيعيد جنوبي الدوحة، فيما استهدفت الأخرى منشأة في رأس لفان شمال البلاد، دون تسجيل إصابات بشرية.

وعقب ذلك أعلنت شركة "قطر للطاقة" وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة؛ وذلك بسبب هجوم عسكري على مرافقها التشغيلية في مدينة رأس لفان الصناعية ومدينة مسيعيد الصناعية في دولة قطر.

وقالت "قطر للطاقة" في بيان إنها تثمن علاقتها مع جميع الأطراف ذات الصلة وستستمر في التواصل بالمعلومات المتوفرة.

وإثر الإعلان القطري، أعلنت مجموعة بورصات لندن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي البريطاني بنسبة 42.55%، إضافة إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة 30.84%.

وتعد رأس لفان الموقع الرئيسي لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، وهو من أكبر مراكز تصدير الغاز عالمياً، ما يبرز حساسية الموقع المستهدف في ظل الدور المحوري الذي تؤديه الدوحة في سوق الطاقة العالمية.

وجاء الاستهداف في سياق استمرار الضربات الإقليمية لليوم الثالث توالياً، وفق البيانات الرسمية، في وقت تتابع فيه الأجهزة الأمنية والعسكرية التطورات ضمن منظومة تنسيق متكاملة لضمان استقرار المرافق الحيوية.

الكويت.. شظايا في الأحمدي

في الكويت أعلنت شركة البترول الوطنية إصابة عاملين اثنين في مصفاة ميناء الأحمدي (فجر 2 مارس 2026) جراء سقوط شظايا، وفق ما صرح به الناطق الرسمي للشركة والشركة الكويتية للصناعات البترولية المتكاملة "كيبك"، غانم العتيبي.

وأوضح العتيبي أن فرق الطوارئ تعاملت مع الحادث وفق إجراءات الأمن والسلامة المعتمدة، وجرى تفعيل خطة الاستجابة السريعة فور وقوع الحادث، مؤكداً عدم تسجيل أي أضرار مادية في منشآت المصفاة أو تعطّل في عمليات الإنتاج والتكرير.

وأكدت الشركة أن مصفاة ميناء الأحمدي تواصل العمل بكامل طاقتها التشغيلية المعتادة، مع إعطاء أولوية قصوى لسلامة العاملين والمنشآت، مشيرة إلى استمرار المتابعة الميدانية واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة في جميع المواقع النفطية.

بسياق متصل أعلنت وزارة الداخلية الكويتية التصدي لمعظم الطائرات المسيرة القادمة باتجاه البلاد عبر البحر، فيما أشارت وزارة الصحة إلى وفاة شخص وإصابة 32 آخرين في هجمات سابقة، جميعهم من جنسيات أجنبية، في ظل استمرار حالة الاستنفار الأمني.

الإمارات.. ميناء جبل علي

شركة "موانئ دبي العالمية" علقت مؤقتاً عمليات ميناء جبل علي كإجراء احترازي عقب حريق اندلع نتيجة سقوط شظايا ناجمة عن عمليات اعتراض جوي، قبل أن تعلن لاحقاً استئناف العمليات بعد السيطرة على الحريق.

وأكدت الشركة أن التعليق كان إجراءً وقائياً لضمان سلامة العاملين والمنشآت، وأن العمليات عادت إلى طبيعتها بعد التحقق من سلامة الأرصفة والمعدات وعدم تسجيل أضرار هيكلية مؤثرة في البنية التشغيلية.

ويعد ميناء جبل علي أكبر ميناء للحاويات في الشرق الأوسط، ومركزاً رئيسياً للتجارة الإقليمية والدولية ومركز تصدير للنفط، ما يمنحه أهمية استراتيجية في حركة الشحن البحري وسلاسل الإمداد في المنطقة.

عُمان.. استهداف ناقلات

شهدت سلطنة عُمان (1 مارس) حادثة تمثلت في استهداف ميناء الدقم التجاري بطائرتين مسيرتين، في تطور يهدد أمن البنية التحتية الحيوية للبلاد، ويعد رصيف المواد السائلة والسائبة من المشاريع العملاقة التي ستغير خريطة الاستثمار في الدقم لتصبح مدينة مصدرة للمشتقات النفطية والصناعات الخضراء.

كما أعلنت سلطنة عُمان تعرض ناقلة النفط "سكاي لايت" للاستهداف على بعد 5 أميال بحرية شمالي ميناء خصب بمحافظة مسندم، مشيرة إلى إجلاء طاقم السفينة المكون من 20 شخصاً وإصابة أربعة منهم، وفق بيانات هيئة الأمن البحري العُمانية.

وتعرضت ناقلة أخرى (2 مارس) لهجوم بواسطة زورق مسيّر قبالة سواحل محافظة مسقط، ما أدى إلى اندلاع حريق في غرفة المحركات ووفاة أحد أفراد الطاقم، قبل أن يتم إخلاء بقية الطاقم بالتنسيق مع سفن تجارية قريبة.

وتقع هذه الحوادث قرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، ما يزيد من حساسية أي استهداف في هذه المنطقة البحرية الاستراتيجية.

وأكدت السلطات العُمانية أن البحرية السلطانية تتابع حالة السفن المتضررة وتصدر التحذيرات اللازمة للسفن العابرة، في وقت تتزايد فيه حالات الحذر لدى ناقلات النفط العابرة للمضيق نتيجة التصعيد الإقليمي المتواصل.

تأثير مرتقب

حول هذه الاستهدافات تقول المحللة الاقتصادية حنين ياسين: إنها "تمثل تحولاً نوعياً في طبيعة التصعيد، بانتقاله إلى مستوى يمس البنية التحتية للطاقة واللوجستيات في الخليج"، مشيرة إلى أن هذا التحول يعني "أن الجبهة الاقتصادية أصبحت جزء من معادلة الضغط، وليس مجرد انعكاس جانبي للتطورات الأمنية".

وفي الجانب الاقتصادي تؤكد لـ"الخليج أونلاين" أن التأثير الأول يكون "نفسياً قبل أن يكون مادياً وهو ما ظهر سريعاً في الأسواق العالمية، حيث ارتفع خام برنت بأكثر من 10% ليتجاوز 82 دولاراً للبرميل وفق تقارير رويترز".

وتشير إلى أن هذه القفزة "لا تعكس نقصاً فعلياً وفورياً في الإمدادات، بل تمثل ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية التي يضيفها المستثمرون تحسباً لاحتمال توسع الاستهدافات أو تعطل الشحن عبر الخليج وبحر العرب".

وترى أن ارتفاع الأسعار بهذا الشكل "يعني أن تكلفة الطاقة قد تنعكس على قطاعات النقل والصناعة والخدمات، خصوصاً إذا استمر الارتفاع لفترة ممتدة".

وتؤكد أن ميناء الدقم "يتمتع بأهمية استراتيجية لأنه يقع خارج مضيق هرمز، ويُنظر إليه كأحد المسارات اللوجستية البديلة الآمنة نسبياً لتصدير الطاقة، وأن استهدافه يحمل دلالة اقتصادية تتجاوز حجم الضرر المباشر، إذ يبعث برسالة إلى الأسواق بأن حتى البدائل الجغرافية ليست محصنة بالكامل من المخاطر".

أما إصابة ناقلة نفط قرب السواحل العُمانية فتشير إلى أن ذلك "يرفع فوراً تكاليف التأمين البحري وتزيد من تحفظ شركات الشحن، ما قد يؤدي إلى إبطاء حركة التجارة ورفع تكاليف النقل".

وفيما يتعلق بمصفاة رأس تنورة، فإن أي تعطل في منشأة بحجم 550 ألف برميل يومياً، بحسب حنين ياسين، "يؤثر ليس فقط على تدفقات النفط الخام، بل على سوق المنتجات المكررة مثل الديزل والبنزين ووقود الطائرات".

وأوضحت أن هذا النوع من التأثير "ينعكس مباشرة على الأسواق الآسيوية التي تعتمد على واردات الطاقة من الخليج، كذلك فإن أي حديث عن استهداف منشآت تكرير أو محطات كهرباء في دول خليجية أخرى، سيرفع مستوى المخاطر السيادية ويؤثر على تقييمات الاستثمار والتكلفة التمويلية".

وتلفت إلى أن دول الخليج "تمتلك قدرات إنتاج احتياطية، ومخزونات استراتيجية، وبنية تحتية قادرة على إعادة التشغيل السريع، إضافة إلى أنظمة حماية متقدمة وخطط طوارئ جرى اختبارها في أزمات سابقة، وأن هذه العوامل تمنح الاقتصادات الخليجية قدرة على امتصاص الصدمة على المدى القصير، وتحد من احتمالات حدوث انقطاع طويل الأمد في الإمدادات".

ومع ذلك ترى أن "استمرار نمط استهداف الموانئ ومنشآت الطاقة قد يؤدي إلى تثبيت علاوة مخاطر دائمة في الأسعار، وزيادة تكاليف التأمين والشحن، ورفع درجة التذبذب في أسواق المال الإقليمية".