سياسة وأمن » حوادث

تصعيد الحوثي بالبحر الأحمر: مناورة طهران ومأزق الرياض

في 2026/07/23

وجدي السالمي - صحيفة المدن

دخلت الأزمة اليمنية منعطفاً استراتيجياً شديد التعقيد، تداخلت فيه الحسابات المحلية بالأجندات الإقليمية، ليدفع بأطراف النزاع نحو مسارات حتمية من التصعيد العسكري والاقتصادي المتبادل الذي يهدد بتقويض حالة التهدئة الهشة المستمرة منذ سنوات.

فبين قرار مجلس القيادة الرئاسي اليمني بإنهاء المقاربات التقليدية والبدء الفوري في استئناف تصدير النفط السيادي لكسر الحصار المالي، وبين تنفيذ جماعة الحوثي تهديداتها بـِ "الحظر الملاحي الشامل" ضد الموانئ السعودية، وتوعد التحالف بقيادة السعودية بالرد "بحزم وقوة" على التهديدات الحوثية، تبدو المؤشرات الميدانية والسياسية كمن يقترب متسارعاً من "نقطة اللاعودة".

هذا التحول الدراماتيكي في الخطاب والتوجه يضع المراقبين أمام قراءات تحليلية متباينة حول مآلات المشهد، فبينما يرى فريق من الخبراء أن هذه الاندفاعة التصعيدية لا تخرج عن سياق من كونها "تحسين شروط التفاوض" ورفع سقف المكاسب قبل أي تسوية محتملة، بينما يذهب آخرون إلى اعتبار الخطوة الحوثية بمثابة "مناورة إيرانية بالورقة الأخيرة" للضغط على واشنطن والرياض، وهي مغامرة قد ترتد عكسياً وتفضي إلى مواجهة شاملة تقود نحو حسم عسكري لصالح الحكومة اليمنية.

في المقابل، يصر محللون أن معادلة "الحصار بالحصار" التي أعلنت عنها جماعة الحوثي تمثل أداة ردع استراتيجية قادرة على فرض شروط صنعاء، ووضع الرياض أمام خيارين أحلاهما مر: إما التجاوب السلمي مع المطالب الاقتصادية، أو الانزلاق إلى حرب استنزاف بحرية وجوية كفيلة باستهداف البنى التحتية وتقويض طموحات الاستقرار الاقتصادي الإقليمي.

الشميري: مناورة طهران

وفي قراءة تحليلية معمقة لطبيعة التصعيد الراهن، يرى المحلل السياسي والخبير في الشأن اليمني، عبد الستار الشميري، أن الإعلان الحوثي يمثل في غالب الظن تدشيناً رسمياً لدخول الجماعة خط المعركة الإقليمية عبر إطلاق الصواريخ نحو البحر الأحمر ودول الجوار.

وأوضح الشميري أن حجم الأثر والقدرة الحوثية ستكون محدودة عملياً، مرجحاً أن ينعكس هذا التدخل لصالح الحكومة اليمنية، كون المواجهة هذه المرة ستكون أعنف بكثير، مع عدم استبعاد توجيه ضربات أميركية قوية ومباشرة ضد الجماعة.

واعتبر الشميري هذا التحرك بمثابة مناورة إيرانية للعب بالورقة الأخيرة المتبقية في يد طهران، والمتمثلة في جبهة البحر الأحمر وجماعة الحوثي، عبر عملية تصعيدية تهدف لإجبار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته على خفض التصعيد والضربات داخل إيران، مستدركاً بالقول: "أعتقد أن هذه المحاولة لن تنجح على الإطلاق".

وأشار الخبير اليمني إلى أن طهران تأمل عبر هذه الورقة في تخفيف الضغط العسكري عليها، بالتهديد بفتح ما يسميه الاستراتيجيون الإيرانيون "خط الالتفاف الثاني"، وهو الخط الذي يقع خارج النطاق البحري الأمني المباشر لإيران في الخليج، حيث يُعد مضيق هرمز خط الالتفاف الأول.

وبذلك تقتحم إيران هذا الخط الأمني لتفتح على العالم باباً جديداً من الأزمات؛ فإذا كان مضيق هرمز يعطل إمدادات الطاقة، فإن البحر الأحمر يشل سلاسل الإمداد البحرية وحركة التجارة العالمية بشكل عام، وتأمل طهران بتنشيط هذه الورقة لإحداث انفراجة نحو تهدئة أميركية وخليجية، لا سيما بعد تقارير لوكالة "رويترز" أفادت بأن إيران ضغطت على الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب في حال استمرار واشنطن في استهداف البنية التحتية لشبكة الكهرباء الإيرانية.

حسابات الخسارة الحوثية 

وفي تقديره للموقف الميداني، رجح الشميري أن ينعكس هذا التحرك بالوبال على المحور الإيراني، خاصة وأن إمكانية السيطرة على أمن البحر الأحمر أسهل بكثير من مضيق هرمز؛ نظراً لأن القوات البحرية الحوثية ليست بذاك الحجم، فضلاً عن أن التواجد البحري الدولي المتعدد الأطراف يمنح القوى الدولية القدرة على تأمين وتسيير الملاحة، بما فيها ناقلات النفط السعودية المتجهة من ميناء ينبع، مما سيفتح على الحوثيين ضربات قاسية.

وأضاف الشميري أنه من الناحية التكتيكية قد تلعب إيران بهذه الورقة مؤقتاً، لكن على المدى الاستراتيجي البعيد، قد يعود هذا الأمر بفوائد كبرى للحكومة اليمنية وللخليج إذا تم التعامل مع الموقف بحسم وجدية.

وأكد أن خيار الحسم العسكري، خاصة في حال فتح جبهة مواجهة مباشرة ضد الحوثيين في محافظة الحديدة الساحلية وذات الأهمية الاستراتيجية، سيجعل الخطوة الحوثية غير محسوبة العواقب، وتفوق خسائرها أي مكاسب قد تجنيها الجماعة، خصوصاً أن قدرات جماعة الحوثي في هذه المرحلة لم تعد كالسابق، ويقابلها جاهزية واستعداد أفضل للمواجهة من قبل الحكومة اليمنية بدعم نوعي من السعودية.

تحسين شروط التفاوض

من جهته يرى الخبير الاستراتيجي في الشأن اليمني، رامز الشارحي في تصريحات خاصة لـِ "المدن"، أن هذه الاندفاعة التصعيدية لا تخرج عن سياق من كونها "تحسين شروط التفاوض" ورفع سقف المكاسب قبل أي تسوية محتملة، وأن الخطاب التصعيدي لرئيس مجلس القيادة رشاد العليمي لن يقود إلى "معركة حسم نهائي" أو حل سياسي شامل؛ بل هو تصعيد يهدف لتحسين شروط التفاوض وتأديب جماعة الحوثي، مرجحاً العودة مجدداً إلى مسار "خارطة الطريق" أو التفاهمات الجزئية في الملفين الاقتصادي والإنساني في منتصف الطريق، بمجرد تقديم الجماعة لأي تنازلات.

وتوقع الشارحي أن يكون التعامل الإقليمي والدولي هذه المرة أكثر صرامة، لاسيما بعد أن أدركت الرياض ودول الإقليم والمجتمع الدولي أن كبح الورقة الحوثية يتطلب أسلوباً حازماً يتناغم مع المقاربة الأميركية الحالية في التعامل مع إيران. 

واختتم الشارحي تصريحه متوقعاً أن تكشف الأسابيع المقبلة أن هذا التحرك يمثل خطأ استراتيجياً فادحاً لطهران وللحوثيين، نظراً لتدافع المصالح الدولية لحماية الممر المائي، متوقعاً بروز دور أوروبي أكثر وضوحاً وحسماً.

ترامب يحذر الحوثيين

وحذّر الرئيس أميركي دونالد ترامب اليوم الثلاثاء، من أن بلاده مستعدة للتعامل بشدة ومواجهة أي تطورات قد تمس حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ملوحاً في الوقت ذاته بإمكانية تنفيذ ضربات عسكرية قوية قريباً ضد موقع "جبل الفأس" النووي شديد التحصين في إيران.

وأكد ترامب أن الإجراءات العسكرية الصارمة التي اتخذتها واشنطن سابقاً ضد الحوثيين حققت ردعاً كبيراً، مشدداً على الجاهزية الكاملة لتكرارها حال استجد أي تهديد ملاحي. 

وأوضح ترامب: "نفذنا نحو 45 يوماً من الإجراءات القوية للغاية ضد الحوثيين، ولم نشهد أي مشاكل معهم منذ ذلك الحين"، مضيفاً أنه بعد ذلك الإجراء الصارم لم تواجه واشنطن مشاكل معهم، لكنها تظل مستعدة للتعامل معهم بشدة من جديد.

معادلة "الحصار بالحصار" 

على الجانب الآخر، يقدم المحلل السياسي عبد القوي السباعي، قراءة مغايرة ترتكز على القوة الردعية للموقف الجديد، مشيراً في تصريحات خاصة، لـِ "المدن"، إلى أن السعودية تدرك جيداً أن تعرض خطوط ملاحتها أو منشآتها الاقتصادية لضربات مباشرة سيقوض رؤيتها الطموحة "رؤية 2030" ويضرب استقرار سوق الطاقة العالمي.

وبناءً على هذه المعطيات، يرى السباعي أن الرياض قد تجد نفسها مضطرة للتخلي عن خيارات المماطلة والعودة إلى طاولة المفاوضات لتنفيذ الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية، بدءاً بفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة دون قيود، وصولاً إلى ملف دفع مرتبات الموظفين، كخيارات أقل كلفة من الانزلاق إلى حرب استنزاف شاملة.

ووفق السباعي، فإنه في حال اختيار الرياض الذهاب نحو التصعيد الشامل، فإن المعركة لن تبقى محصورة في النطاق المحلي، إذ إن حظر الملاحة على السفن السعودية قد يتداخل بشكل مباشر مع خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر، والبحر العربي، والخليج، ومضايق باب المندب وهرمز، وقناة السويس، خاصة وأن البيان الحوثي لم يحدد نطاقاً جغرافياً معيناً للحظر، ناهيك عن التداعيات المحتملة إذا حاولت قوى دولية التدخل لحماية السفن السعودية.

وتُشير القراءة الاستراتيجية، وفقاً للسباعي، إلى أن الحوثيين بنقلهم المعركة إلى مربع الأمن البحري والاقتصادي، قد امتلكوا زمام المبادرة، وهذا ما يجعل أي خيار سعودي خارج إطار التجاوب السلمي مغامرة غير مأمونة النتائج، واصفاً البيئة المحيطة بالرياض بأنها تضعها أمام معضلة حقيقية تتجاذبها قوتان متناقضتان: الحاجة الملحّة للاستقرار الداخلي لحماية مشروعها الاقتصادي، وضغوط الارتهان للموقف الأميركي المتصاعد في المنطقة.