في 2026/03/14
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
تشهد أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر الفترات اضطراباً منذ سنوات، مع تصاعد الحرب الإقليمية التي عطلت الملاحة في الخليج العربي وأثارت مخاوف واسعة بشأن إمدادات النفط.
وفي قلب هذه التطورات عاد مشروع سعودي قديم إلى الواجهة، خط أنابيب "الشرق – الغرب"، المعروف باسم "بترولاين"، والذي يعود إنشاؤه إلى العام 1981.
المشروع، الذي يمتد عبر الأراضي السعودية لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، لم يعد مجرد بنية تحتية لنقل النفط، بل تحول إلى أداة استراتيجية لحماية الأمن الاقتصادي للمملكة وضمان استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.
ومع إغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام جزء كبير من الشحن التجاري خلال الحرب الحالية، بدأت الرياض تحويل ملايين البراميل يومياً إلى البحر الأحمر عبر ميناء ينبع، مستفيدة من قدرة هذا الخط على تجاوز الممرات البحرية الخطرة.
وتشير تقارير صادرة في مارس 2026 عن وكالات مثل "بلومبيرغ" و"رويترز" إلى أن السعودية رفعت بالفعل شحناتها عبر هذا المشروع إلى البحر الأحمر، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على استقرار الإمدادات العالمية وتفادي اضطراب الأسواق.
أزمة هرمز
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية.
هذا الممر الضيق بين إيران وسلطنة عمان أصبح خلال الحرب الحالية نقطة اختناق خطيرة، بعدما أدت التهديدات العسكرية والهجمات على السفن إلى شبه توقف لحركة الشحن، فضلاً عن إعلان الحرس الثوري إغلاق المضيق.
وأدى تعطّل الملاحة إلى قفزة حادة في الأسعار، حيث ارتفع خام برنت مقترباً من حاجز الـ120 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ عدة أعوام، وفق بيانات السوق الصادرة يوم 9 مارس، لتظهر بذلك بوادر أزمات في أوروبا وأمريكا على حدٍّ سواء.
كما أشارت بيانات تتبع الناقلات التي جمعتها "بلومبيرغ"، إلى أن جزءاً كبيراً من أسطول ناقلات النفط العالمي، بات عالقاً بالقرب من المضيق، ما تسبب في اختلالات في سلاسل الإمداد العالمية للطاقة.
ومع تعطل الإمدادات بدأت بعض الدول المنتجة في الخليج تواجه ضغوطاً على التخزين والإنتاج، إذ حذر محللو "جي بي مورغان" من احتمال اضطرار بعض المنتجين إلى خفض الإنتاج إذا استمر إغلاق المضيق مدة طويلة.
بدائل التصدير
أمام مخاطر إغلاق مضيق هرمز، من جراء التوترات المستمرة، بدأت دول الخليج منذ سنوات العمل على إنشاء مسارات بديلة لصادرات النفط لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
وتمتلك السعودية البديل الأكبر والأكثر تأثيراً في المنطقة، وهو خط أنابيب "الشرق–الغرب"، المعروف أيضاً باسم "بترولاين"، والذي يسمح بنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى البحر الأحمر.
ويوم 10 مارس الجاري، أعلنت شركة "أرامكو" أنها ستصل إلى طاقتها الاستيعابية القصوى في خط أنابيب "الشرق - الغرب" خلال يومين، أي ما نسبته 7 ملايين برميل يومياً للوصول إلى الأسواق العالمية.
هذا الخط يمنح الرياض قدرة على تصدير ملايين البراميل يومياً دون المرور بالخليج العربي، ما يخلق شبكة أمان استراتيجية في أوقات الأزمات.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية "IEA" إلى أن السعودية تستطيع تحويل نحو 5 ملايين برميل يومياً من صادراتها بعيداً عن مضيق هرمز باستخدام هذا الخط، وهو رقم كفيل بتخفيف صدمة كبيرة في السوق العالمية للطاقة.
مشروع "بترولاين"
بدأ إنشاء خط أنابيب "بترولاين في أوائل الثمانينيات، خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما تصاعدت المخاوف من تعرض الملاحة النفطية في الخليج للخطر.
يمتد الخط لمسافة نحو 1200 كيلومتر من مركز معالجة النفط في بقيق بالمنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، ويتكون النظام من خطين متوازيين بقطر كبير مع 13 محطة ضخ، ما يسمح بنقل النفط بكفاءة عبر المملكة من الشرق إلى الغرب.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية الأساسية للخط نحو 5 ملايين برميل يومياً، مع إمكانية رفعها مؤقتاً إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً عبر تعديلات تشغيلية، وفق بيانات شركة "أرامكو".
وبمرور الوقت تحول المشروع من مجرد بنية نقل لوجستية إلى عنصر أساسي في الاستراتيجية الجيوسياسية للطاقة في السعودية.
تشغيل استراتيجي
مع تصاعد الحرب في المنطقة خلال مارس 2026، بدأت السعودية بالفعل إعادة توجيه صادرات النفط إلى البحر الأحمر عبر هذا الخط.
وفي تصريح لصحيفة "الشرق الأوسط"، بتاريخ 4 مارس 2026، قالت شركة "أرامكو" السعودية إنها عدلت مسارات الشحن وأعطت الأولوية لميناء ينبع؛ لضمان استمرار الإمدادات العالمية.
كما كشفت بيانات تتبع الناقلات، التي نقلتها "بلومبيرغ" في 5 مارس 2026، أن خمس ناقلات نفط عملاقة غادرت ميناء ينبع خلال الأيام الأولى من الشهر محملة بما يقارب 10 ملايين برميل من النفط.
وبحسب البيانات نفسها، ارتفع متوسط الشحنات اليومية عبر البحر الأحمر إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً مقارنة بنحو 786 ألف برميل يومياً فقط في فبراير.
وذكرت وكالة "رويترز" (11 مارس) أن "أرامكو" طلبت من المشترين في آسيا تقديم خطط بديلة لتحميل شحنات النفط الخام لشهر أبريل، من ميناءي رأس تنورة على الخليج وينبع على البحر الأحمر، في ظل تعطل الشحن عبر مضيق هرمز.
وفي اليوم نفسه، أظهرت بيانات تتبع سفن جمعتها وكالة "بلومبيرغ" عن توجه قافلة تضم ما لا يقل عن 25 ناقلة نفط عملاقة إلى ميناء ينبع، بما سيتيح شحن نحو 50 مليون برميل من النفط، ما يمثل خطوة مهمة لتخفيف الاضطراب غير المسبوق في إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
وتشير تقارير السوق إلى أن السعودية يمكنها نظرياً نقل معظم صادراتها النفطية اليومية، التي تقارب 7 ملايين برميل، عبر شبكة خطوط الأنابيب إلى البحر الأحمر، ما يمنحها مرونة كبيرة في مواجهة الأزمات.
ويرى محللون في شركات استشارات الطاقة أن هذه القدرة تمنح المملكة ميزة استراتيجية، إذ تستطيع الحفاظ على التدفقات النفطية حتى في حال تعطلت الملاحة في الخليج.
أمن اقتصادي
يقول المستشار الاقتصادي السعودي حسين العطاس، في تصريحات لصحيفة "الشرق الأوسط"، إن خط "الشرق – الغرب" لم يعد مجرد مشروع نقل نفطي، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي الاقتصادي للمملكة.
ويضيف أن وجود منفذ تصديري بعيد عن نقاط الاختناق البحرية يقلل المخاطر التشغيلية ويعزز قدرة السعودية على الوفاء بعقودها طويلة الأجل مع العملاء.
كما يساهم الخط في تقليل علاوة المخاطر الجيوسياسية على النفط السعودي مقارنة بمنتجين يعتمدون على مسار تصدير واحد فقط.
ويؤكد العطاس أن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للخط تكمن في قدرته على ضمان استمرارية التسليم حتى في أصعب الظروف، وهو عنصر أساسي في استقرار الأسواق العالمية.
ويظهر مشروع "بترولاين" بوصفه واحداً من أهم مشاريع البنية التحتية للطاقة في العالم، ليس فقط لأنه ينقل النفط، بل لأنه يمنح السعودية قدرة استراتيجية على التحكم في تدفق الطاقة حتى في أوقات الحرب.
ففي زمن تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية على طرق الشحن العالمية، تصبح خطوط الأنابيب العابرة للدول أكثر أهمية من أي وقت مضى، وبالنسبة للسعودية، لم يعد بترولاين مجرد مشروع لوجستي، بل تحول إلى صمام أمان يحمي اقتصادها ويعزز استقرار سوق النفط العالمي.
تقليل المخاطر
ويرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن خط "بترولاين"، يمثل أهم أدوات تقليل المخاطر الجيوسياسية عن صادرات النفط في المنطقة.
وأضاف عيد، في تصريح لـ"الخليج أونلاين":
- وجود مسار بري ينقل النفط من حقول الشرق باتجاه موانئ البحر الأحمر يمنح السعودية القدرة على تجاوز الاختناقات المحتملة في مضيق هرمز، بعد التطورات والقصف الأخير، والأحداث التي تشهدها المنطقة، ليخفف إلى حد بعيد من تأثير أي تعطل في الملاحة في الخليج على تدفق الإمدادات النفطية إلى أسواق العالم.
- تشغيل هذا الخط في ظل التوتر الإقليمي يعزز من مكانة السعودية كمورد موثوق للطاقة، لأنه يوفر مرونة لوجستية في التصدير، ويطمئن الأسواق بأن الإمدادات يمكن أن ستستمر حتى في أوقات الأزمات، وهذا عامل مهم في الحفاظ على ثقة المستثمرين والموردين واستقرار أسواق الطاقة، خصوصاً حينما تتعرض الممرات البحرية الحساسة لتهديدات أمنية كما يحدث الآن.
- ومع ذلك رغم أهمية مشروع "بترولاين"، فإن أمن الطاقة لا يزال يحتاج إلى تنويع أكبر في البنية التحتية ومسارات التصدير، لأنه كلما تعددت خطوط الأنابيب والمنافذ البديلة، بعيداً عن مناطق الاختناق الجيوسياسية، زادت قدرة دول المنطقة على حماية صادراتها واستقرار أسواق الطاقة العالمية في أوقات الأزمات.