في 2026/06/10
يوسف حمود - الخليج أونلاين
يمثل انطلاق الرحلات التجارية الأولى لشركة "طيران الرياض" محطة جديدة في مشروع السعودية الرامي إلى توسيع قطاع الطيران المدني وتعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي للنقل الجوي والسياحة، وذلك بعد أكثر من ثلاثة أعوام على إعلان تأسيس الناقل الوطني الجديد المملوك لصندوق الاستثمارات العامة ضمن برامج رؤية السعودية 2030.
وجاء إطلاق العمليات التشغيلية (10 يونيو) بالتزامن مع وصول أولى طائرات الشركة من طراز "بوينغ 787-9 دريملاينر"، وإعلان شبكة أولية من الوجهات الإقليمية والدولية تشمل لندن ودبي والقاهرة وجدة ومدريد ومانشستر، في خطوة تعكس انتقال المشروع من مرحلة التخطيط والتأسيس إلى مرحلة التشغيل الفعلي واستقبال المسافرين.
ويأتي هذا التدشين في وقت يشهد فيه قطاع الطيران الإقليمي تحديات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، بعد الاضطرابات التي طالت حركة الطيران خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، إلا أن الشركة تمضي في تنفيذ خططها التشغيلية ضمن جدولها المعلن لتوسيع الشبكة الجوية خلال السنوات المقبلة.
فكرة طيران الرياض
أعلنت السعودية تأسيس "طيران الرياض"، في مارس 2023، كناقل وطني جديد مملوك بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، وذلك ضمن استراتيجية تستهدف زيادة مساهمة قطاع الطيران في الاقتصاد الوطني وتعزيز الربط الجوي بين المملكة والعالم، بالتوازي مع المشروعات السياحية والاستثمارية التي أطلقتها الرياض خلال السنوات الأخيرة.
وجاء تأسيس الشركة ضمن الاستراتيجية الوطنية للطيران التي تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات السعودية وزيادة عدد الوجهات الدولية، إلى جانب تحويل العاصمة الرياض إلى مركز عبور عالمي قادر على ربط الشرق بالغرب والاستفادة من الموقع الجغرافي للمملكة بين ثلاث قارات.
ومنذ إعلان المشروع وقعت الشركة سلسلة اتفاقيات مع شركات تصنيع الطائرات ومزودي الخدمات الجوية، كما شرعت في بناء هويتها التشغيلية واستقطاب الكفاءات الدولية في قطاع الطيران، مستفيدة من الدعم المالي والاستثماري الذي يوفره صندوق الاستثمارات العامة.
كما ربطت الحكومة السعودية المشروع بعدد من المبادرات الكبرى المرتبطة بالسياحة والفعاليات الدولية والبنية التحتية، وفي مقدمتها مشروع مطار الملك سلمان الدولي الذي تستهدف المملكة من خلاله رفع قدرتها على استقبال المسافرين خلال السنوات المقبلة.
وانطلقت أولى الرحلات التشغيلية في الـ10 من يونيو 2026 إلى مدينة لندن، فيما من المقرر أن تبدأ الرحلات إلى جدة في 14 يونيو، وإلى دبي في 18 يونيو، وإلى القاهرة في 25 يونيو، فيما تنطلق الرحلات إلى مدريد في 17 يوليو، وإلى مانشستر في 23 يوليو.
ماذا يملك الطيران؟
استلمت الشركة أولى طائراتها من طراز "بوينغ 787-9 دريملاينر"، خلال يونيو 2026، كما أعلنت وصول الطائرة الثالثة إلى المملكة ضمن الأسطول الذي سيشكل قاعدة عمليات الناقل الجديد خلال مرحلته الأولى، وذلك بعد سلسلة تأخيرات عالمية أثرت على جداول تسليم الطائرات لدى شركات الطيران المختلفة.
ويستند المشروع إلى طلبية كبيرة من شركة "بوينغ" تشمل ما يصل إلى 72 طائرة من طراز "787 دريملاينر"، وهي واحدة من أكبر الصفقات التي أُبرمت في قطاع الطيران المدني خلال السنوات الأخيرة، وتهدف إلى دعم التوسع التدريجي للشركة حتى نهاية العقد الحالي.
كما أعلنت الشركة عدداً من الشراكات التشغيلية مع ناقلات دولية، كان أحدثها اتفاقية تعاون مع الخطوط الجوية الهندية لتوفير رحلات الربط وتسهيل انتقال المسافرين بين الهند والسعودية وعدد من الوجهات الدولية الأخرى ضمن شبكة الناقل الجديد.
وتضم الشبكة المعلنة حتى الآن رحلات إلى لندن وجدة ودبي والقاهرة ومدريد ومانشستر، فيما أكدت الشركة أن وجهات إضافية ستُعلن تباعاً خلال الأسابيع والأشهر المقبلة بالتزامن مع نمو الأسطول وزيادة الجاهزية التشغيلية.
ماذا يستهدف بحلول 2030؟
يعد الوصول إلى أكثر من 100 وجهة حول العالم أحد أبرز الأهداف المعلنة لـ"طيران الرياض" بحلول عام 2030، وهو هدف يتماشى مع خطط المملكة الرامية إلى زيادة الربط الجوي مع الأسواق العالمية وتوسيع حركة السفر والسياحة والأعمال.
كما يرتبط المشروع بمستهدفات وطنية أوسع تشمل استقطاب 150 مليون زائر سنوياً إلى السعودية بحلول نهاية العقد الحالي، وهي أرقام تعتمد بصورة كبيرة على قدرة قطاع الطيران على نقل المسافرين وربط المدن السعودية بالأسواق الإقليمية والعالمية.
وتسعى المملكة من خلال هذا التوسع إلى تعزيز مكانة الرياض كمركز عبور دولي ينافس أبرز مراكز النقل الجوي في المنطقة، مستفيدة من مشاريع البنية التحتية الضخمة والاستثمارات الموجهة إلى المطارات والخدمات اللوجستية والسياحة.
ويأتي المشروع كذلك ضمن الاستعدادات طويلة المدى لاستضافة أحداث دولية كبرى خلال السنوات المقبلة، من بينها كأس العالم 2034، إلى جانب مواسم الترفيه والفعاليات الاقتصادية والسياحية التي تشهد نمواً متسارعاً داخل المملكة.
تعتبر السعودية قطاع الطيران أحد القطاعات الرئيسية الداعمة للتنويع الاقتصادي ضمن رؤية 2030، حيث تستهدف زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني عبر الاستثمار في السياحة والخدمات اللوجستية والنقل الجوي.
وتضخ المملكة استثمارات كبيرة في المطارات وشبكات النقل والبنية التحتية المرتبطة بالسفر، بهدف رفع القدرة الاستيعابية واستقطاب مزيد من الزوار والشركات العالمية وربط المدن السعودية بمراكز الأعمال والسياحة الدولية.
تأثير التوترات الإقليمية
شهد قطاع الطيران في الشرق الأوسط، خلال الأشهر الماضية، اضطرابات ملحوظة نتيجة الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، حيث اضطرت شركات طيران عدة إلى إلغاء رحلات أو تغيير مساراتها بسبب المخاطر المرتبطة بالمجال الجوي في عدد من مناطق المنطقة.
كما أدت التطورات العسكرية إلى إغلاق أو تقييد استخدام بعض المسارات الجوية خلال فترات مختلفة من الأزمة، وهو ما انعكس على جداول التشغيل ومدد الرحلات وتكاليف الوقود لدى شركات الطيران العاملة في المنطقة.
ورغم هذه التطورات استمرت المطارات السعودية في العمل بصورة طبيعية نسبياً مقارنة ببعض المناطق الأخرى، وهو ما دفع مسؤولي "طيران الرياض" إلى تأكيد أن المملكة تمتلك موقعاً يمكنها من الاستفادة من حركة العبور الجوي بين الشرق والغرب.
وتزامن إطلاق الشركة مع استمرار حالة عدم اليقين في قطاع الطيران العالمي المرتبط بالتوترات الجيوسياسية وسلاسل التوريد وتأخر تسليم الطائرات، وهي تحديات تواجه معظم شركات الطيران الجديدة والقائمة حول العالم.
صعوبات وتوقعات
يرى الخبير الاقتصادي فؤاد حسن أن التحدي الحقيقي أمام "طيران الرياض" لا يرتبط بإطلاق الرحلات الأولى "بقدر ما يرتبط بالقدرة على الحفاظ على وتيرة التوسع المعلنة حتى عام 2030".
ويوضح لـ"الخليج أونلاين" بقوله:
- الشركة تدخل سوقاً تنافسية تضم ناقلات خليجية تمتلك خبرات وشبكات ممتدة منذ عقود، لكنها في المقابل تستند إلى سوق محلية كبيرة واستثمارات حكومية ضخمة تمنحها قاعدة انطلاق قوية مقارنة بمعظم شركات الطيران الجديدة.
- المشروع لا يُقاس فقط بعدد الرحلات أو الوجهات التي سيطلقها خلال السنوات الأولى، بل بمدى مساهمته في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 المرتبطة بالسياحة والخدمات اللوجستية وجذب الاستثمارات.
- التحديات الحالية في المنطقة، بما فيها التوترات العسكرية وإغلاق بعض المسارات الجوية وتقلبات حركة السفر، تؤثر على معظم شركات الطيران العاملة في الشرق الأوسط وليس على طيران الرياض وحده، غير أن امتلاك الشركة لأسطول حديث وشبكة وجهات قيد التوسع يمنحها مرونة أكبر في إعادة توزيع عملياتها بحسب التطورات التشغيلية خلال المرحلة المقبلة.
- إذا نجحت الشركة في تنفيذ خطتها المعلنة للوصول إلى أكثر من 100 وجهة عالمية واستقطاب حركة عبور متزايدة عبر الرياض، فإنها ستكون قد حققت جزءاً مهماً من الأهداف التي أُنشئت من أجلها، خصوصاً أن المشروع يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل المطارات الجديدة والمشروعات السياحية الكبرى واستعدادات المملكة لاستضافة فعاليات دولية ضخمة خلال السنوات القادمة.