في 2026/05/20
سلمى حداد - الخليج أونلاين
في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تباطؤاً متزايداً، وتعيش أسواق الطاقة حالة من التقلب الحاد بسبب التوترات الجيوسياسية والتحول نحو الطاقة النظيفة، تتحرك أرامكو السعودية لتنفيذ واحدة من أضخم عمليات تسييل الأصول في تاريخ صناعة الطاقة العالمية.
التحركات الجديدة لا تبدو مجرد محاولة لتعزيز السيولة قصيرة الأجل، بل تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة رأس المال داخل أكبر شركة نفط في العالم، مع سعيها لإعادة توجيه المليارات نحو مشاريع الغاز الطبيعي، والغاز المسال، والتقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للطاقة.
خطة بـ35 مليار دولار
وكشفت وكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأمريكية، في تقرير نشرته يوم 15 مايو الجاري، أن أرامكو تدرس بيع أصول قد تصل قيمتها إلى 35 مليار دولار، تشمل حصصاً في مرافق الطاقة والعقارات والبنية التحتية المرتبطة بقطاعي التكرير والتوزيع.
ووفق التقرير، فإن الشركة تبحث عن بيع حصص أقلية في أصول مستقرة ومدرة للتدفقات النقدية، مع الاحتفاظ بالسيطرة التشغيلية الكاملة على أعمال التنقيب والإنتاج، التي تمثل العمود الفقري للشركة.
وفي تقرير آخر نشرته "بلومبيرغ"، في 13 مايو الجاري، قالت الوكالة إن أرامكو تدرس جمع أكثر من 10 مليارات دولار عبر صفقات بيع وإعادة استئجار لأصول عقارية، من بينها مجمع الظهران الذي يضم مقر الشركة الرئيسي، وتشمل الخطط أيضاً أصولاً في محطات تصدير النفط والتخزين ومحطات الكهرباء والبنية التحتية للمياه.
وبحسب "بلومبيرغ"، فإن هذه الصفقات تأتي رغم التوترات الإقليمية والحرب الإيرانية، ما يعكس استمرار شهية المستثمرين العالميين تجاه أصول الطاقة السعودية.
وكان التحول الحقيقي في استراتيجية أرامكو قد بدأ بعد النجاح الكبير لصفقة الجافورة، ففي أغسطس 2025، أعلنت الشركة توقيع صفقة بقيمة 11 مليار دولار مع تحالف تقوده شركة "بلاك روك" (أكبر شركة لإدارة الأصول والاستثمارات في العالم) عبر ذراعها "غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز"، تشمل اتفاقية تأجير وإعادة استئجار لمرافق الغاز في مشروع الجافورة.
وقالت أرامكو، في بيان في 14 أغسطس 2025، إن الصفقة ستوفر عائداً مقدماً بقيمة 11 مليار دولار، مؤكدة أنها جزء من استراتيجية تحقيق قيمة إضافية من أصول الشركة الحالية.
ووصف بايو أوغونليسي، الرئيس التنفيذي لـ"غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز"، الصفقة بأنها استثمار استراتيجي طويل الأجل في بنية تحتية حيوية للطاقة، مؤكداً أن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي والبنية التحتية المرتبطة به سيواصل النمو خلال العقود المقبلة.
ونجاح هذه الصفقة شجع أرامكو على توسيع نموذج إعادة تدوير رأس المال ليشمل أصولاً أخرى، خصوصاً بعد الاهتمام الكبير الذي أبدته صناديق الاستثمار والبنية التحتية العالمية، كما يرى مراقبون.
ولا تعني هذه الخطوات تراجع أرامكو عن قطاع الطاقة التقليدي، بل تعكس انتقالها إلى نموذج مالي أكثر مرونة، فالهدف ليس التخارج من الأصول، بل تحرير القيمة الكامنة فيها وإعادة توجيهها نحو مشاريع نمو جديدة ذات عوائد مستقبلية أعلى.
ويظهر حجم الضغوط المالية بوضوح في نتائج الشركة الفصلية، ففي الربع الأول من 2026، أبقت أرامكو توزيعات الأرباح عند 21.9 مليار دولار، رغم أن التدفقات النقدية الحرة بلغت 18.6 مليار دولار فقط، بحسب بيانات الشركة.
الغاز في قلب الاستراتيجية الجديدة
وتأتي هذه التحركات بينما تضع أرامكو الغاز الطبيعي في قلب استراتيجيتها المستقبلية التي ظهرت معالمها في تصريحات لرئيسها التنفيذي أمين الناصر، خلال فعالية لسوق الطاقة العالمي استضافتها سنغافورة، في 21 أكتوبر 2024، حيث قال إن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة قد يتطلب استثمارات تتراوح بين 100 و200 تريليون دولار بحلول 2050، مؤكداً في الوقت نفسه أن الطلب العالمي على النفط سيبقى فوق 100 مليون برميل يومياً حتى منتصف القرن.
وأرامكو لا تراهن على النفط وحده، ففي 17 مايو الجاري، أكدت الشركة لصحيفة "مال" السعودية أنها تستهدف زيادة طاقة إنتاج غاز البيع بنسبة 80% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات 2021.
ويمثل مشروع الجافورة، أكبر حقل غاز غير تقليدي في الشرق الأوسط، الركيزة الأساسية لهذا التوسع. وبحسب بيانات أرامكو الرسمية، تبلغ موارد الحقل نحو 229 تريليون قدم مكعبة من الغاز الخام، و75 مليار برميل من المكثفات، فيما تستهدف الشركة إنتاج ملياري قدم مكعبة يومياً من غاز البيع بحلول 2030.
وفي يونيو 2024، أعلنت أرامكو ترسية عقود بأكثر من 25 مليار دولار لتوسعة استراتيجية الغاز، شملت 16 عقداً بقيمة 12.4 مليار دولار للمرحلة الثانية من تطوير الجافورة، إضافة إلى توسعة شبكة الغاز الرئيسة.
بالتوازي مع التوسع المحلي، تسارع أرامكو خطواتها لبناء حضور عالمي في سوق الغاز، وفي هذا الإطار أعلنت الشركة خلال منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي الذي عُقد في واشنطن يوم 19 نوفمبر 2025، توقيع 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى، بقيمة تتجاوز 30 مليار دولار، ضمن توجه الشركة لتعزيز حضورها في قطاعات الغاز الطبيعي المسال والتقنيات المتقدمة والخدمات المالية والطاقة والبنية التحتية.
وقال الرئيس التنفيذي لأرامكو، خلال المنتدى، إن الشركة تواصل توسيع استثماراتها في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن ذراع رأس المال الجريء التابعة لها "أرامكو فنتشرز" استثمرت نحو 1.5 مليار دولار في السوق الأمريكية.
وشملت الاتفاقيات شركات أمريكية بارزة مثل أمازون وإنفيديا وكوالكم وغولدمان ساكس وجي بي مورغان وبلاك روك، إلى جانب شركات طاقة وصناعة كبرى مثل إكسون موبيل وهاليبرتون وبيكر هيوز.
وتوزعت الاتفاقيات على مجالات الغاز الطبيعي المسال، والذكاء الاصطناعي، والحلول الرقمية، والتصنيع المتقدم، والخدمات المالية، وتقنيات خفض الانبعاثات.
وتظهر بيانات أرامكو السنوية حجم التحول الجاري داخل الشركة، فبحسب تقريرها السنوي لعام 2024، تمتلك أرامكو حصصاً مباشرة وغير مباشرة في 374 شركة محلية وأجنبية موزعة على أكثر من 55 دولة، تشمل قطاعات النفط والغاز، والبتروكيماويات، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والتقنيات الرقمية، والتمويل، وإدارة الموانئ.
رؤية اقتصادية
وفي هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي منير سيف الدين، إن التحركات الأخيرة لأرامكو في مجال تسييل الأصول تمثل تحولاً استراتيجياً عميقاً في طريقة إدارة رأس المال لدى الشركة، أكثر من كونها مجرد خطوة للحصول على سيولة قصيرة الأجل.
ويضيف سيف الدين، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "أرامكو تدرك أن المرحلة المقبلة في قطاع الطاقة لن تُحسم فقط بحجم الإنتاج النفطي، بل بقدرة الشركات على إدارة التدفقات النقدية بمرونة، وجذب رؤوس الأموال العالمية، والدخول في قطاعات نمو جديدة مرتبطة بالطاقة والتقنيات المتقدمة".
وبحسب سيف الدين، فإن بيع حصص أقلية أو حقوق استخدام في أصول مستقرة مثل مرافق الغاز والعقارات والبنية التحتية يمنح أرامكو ميزة مزدوجة، إذ تحصل الشركة على سيولة ضخمة لإعادة توجيهها إلى مشاريع استراتيجية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بالسيطرة التشغيلية والإدارية على تلك الأصول.
ويرى أن هذه الصفقات "تعزز الجاذبية الاستثمارية لأرامكو على المستوى العالمي، لأنها تفتح الباب أمام صناديق البنية التحتية وشركات إدارة الأصول وصناديق الثروة السيادية للدخول إلى أصول سعودية تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة وطويلة الأجل، في وقت يبحث فيه المستثمرون حول العالم عن ملاذات استثمارية أقل تقلباً وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي".
ويشير إلى أن أهمية هذه السيولة "لا تكمن فقط في حجمها، بل في طبيعة المشاريع التي ستُضخ فيها"، موضحاً أن أرامكو تعمل حالياً على إعادة تشكيل محفظتها الاستثمارية باتجاه قطاعات يُتوقع أن تقود النمو العالمي في العقود المقبلة، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي والغاز المسال.
ويتابع أن الشركة توسع استثماراتها أيضاً في البتروكيماويات، والتكرير، وسلاسل الإمداد، والتقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والمواد المتقدمة، وهي قطاعات تمنحها قدرة أكبر على تنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على صادرات الخام فقط.
ويؤكد سيف الدين أن التوسع في الغاز والغاز المسال يحمل أهمية استراتيجية خاصة لأن العالم يشهد تغيراً متسارعاً في خريطة تجارة الطاقة، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الممرات البحرية، وتزايد المنافسة على أمن الإمدادات، وارتفاع الطلب الآسيوي على الغاز.
ويضيف أن هذه السياسة تمنح أرامكو قدرة أكبر على التحرك عالمياً عبر الاستحواذات والشراكات الدولية، خصوصاً في الفترات التي تتراجع فيها تقييمات بعض الأصول العالمية بسبب تباطؤ الاقتصاد أو اضطرابات الأسواق.