اقتصاد » صفقات

اتفاقية المعادن النادرة.. تعاون إماراتي أمريكي في قطاع حساس

في 2026/02/12

طه العاني - الخليج أونلاين

تتجه الشراكة الإماراتية الأمريكية إلى ترسيخ حضورها في قطاع المعادن النادرة، مع تصاعد التنافس الدولي على موارد باتت تمثل ركيزة للصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة والتحول في الطاقة.

ويأتي هذا التوجه في توقيت يشهد فيه سوق المعادن الحرجة ضغوطاً جيوسياسية متزايدة، ومساعي دولية لإعادة تشكيل سلاسل التوريد وتقليص الاعتماد على موردين مهيمنين.

إطار استراتيجي

وفي إطار ذلك، وقعت الولايات المتحدة والإمارات، في 6 فبراير 2026، إطار عمل للتعاون في قطاع التعدين ومعالجة المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، بهدف تسريع تأمين الإمدادات وتعزيز سلاسل التوريد وتنويع مصادرها، في ظل تصاعد الضغوط الجيوسياسية المرتبطة بهذه الموارد، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وجرى توقيع الاتفاق في واشنطن على هامش اجتماع وزاري تستضيفه الولايات المتحدة بمشاركة أكثر من 50 دولة، يركز على توسيع الوصول إلى المعادن الحرجة وتقليص هيمنة الصين على مستلزمات صناعية أساسية، مكنتها خلال السنوات الماضية من السيطرة على أجزاء واسعة من سلاسل التوريد العالمية.

تعكس الاتفاقية نقلة نوعية في التعاون الاقتصادي بين البلدين، من التنسيق السياسي إلى الشراكة المباشرة في سلاسل القيمة الصناعية.

وبموجب الإطار الموقع، يعمل الجانبان على تحفيز الاستثمارات العامة والخاصة عبر كامل سلسلة القيمة، بدءاً من التعدين والمعالجة، وصولاً إلى إعادة التدوير، مع التوجه لتحديد مشاريع ذات أولوية خلال 6 أشهر لسد فجوات قائمة في الإمدادات، وتأمين التمويل اللازم لها داخل السوقين الإماراتي والأمريكي.

كما يشمل التعاون تسهيل الإجراءات التنظيمية، ودعم آليات التمويل والضمانات واتفاقيات الشراء طويلة الأجل، إلى جانب التعاون في مجالات إعادة التدوير ورسم الخرائط الجيولوجية، بما يعزز الشفافية ويقلص المخاطر الاستثمارية في قطاع عالي الحساسية والتقلب.

ويأتي هذا التحرك في وقت تشير فيه تقديرات دولية إلى تضاعف الطلب العالمي على المعادن الحرجة ثلاث مرات بحلول عام 2030، مدفوعاً بتوسع الصناعات المتقدمة وتسارع مشاريع التحول في الطاقة، ما يفسر اندفاع واشنطن وحلفائها نحو بناء شبكات توريد بديلة وأكثر أماناً.

وفي هذا السياق، أطلقت الولايات المتحدة هذا الشهر مشروع "بروجكت فولت"، بقيمة 12 مليار دولار، لتخزين المعادن الحيوية وبناء مخزون استراتيجي، في خطوة تعكس تصاعد المنافسة بين الاقتصادات الصناعية الغربية للحد من تقلبات أسواق المعادن وضمان استمرارية الإمدادات.

إضافة نوعية

ويمثل سوق المعادن النادرة والحرجة أحد أبرز التحديات الاقتصادية الاستراتيجية في الوقت الراهن، نظراً لأهميتها القصوى في تأمين سلاسل التوريد للصناعات الحديثة والأساسية، كما يوضح المحلل الاقتصادي، أحمد عقل.

ويشير، في حديثه مع "الخليج أونلاين"، إلى أن أي تعاون دولي جديد في مجال المعادن النادرة يعد إضافة نوعية ومستدامة للأطراف المشاركة.

ويضيف أن وجود اتفاقيات تعزز التعاون بين اقتصاديات كبرى كالولايات المتحدة ومنطقة الخليج، يفتح آفاقاً واسعة لتبادل الخبرات والاستثمارات، وهو ما يخلق بيئة عمل متكاملة وقادرة على استغلال الفرص في مناطق كانت تعتبر بعيدة أو مكلفة سابقاً.

ويبيّن عقل أن هذا التعاون الاستراتيجي لا يقتصر على الاستثمار فقط، بل يمتد ليشمل خلق طرق عمل جديدة وتنويع مصادر التوريد، وهو ما يقلل الاعتماد على مورد واحد ويوفر بدائل حيوية للصناعات.

كما يرى أن الدور المطلوب حالياً هو دور مشترك يجمع بين الجانبين التمويلي والصناعي، متوقعاً أن يتركز الاهتمام في البداية على تمويل المشاريع، لينتقل لاحقاً إلى التصنيع الفعلي، خاصة مع وجود شركات خليجية كبرى لديها اهتمام ورغبة في الدخول بالعمليات التصنيعية والتجارية لهذه المواد.

ولفت عقل إلى أن أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ هذا الإطار تتلخص في المنافسة الشديدة وندرة المواد، بالإضافة إلى الظروف الجيوسياسية العامة التي تمر بها المنطقة حالياً، والتي قد تؤثر على سرعة تنفيذ العمليات التشاركية والتجارة الدولية، مما قد يؤدي إلى بعض التأخير في الجدول الزمني.

ويخلص الخبير إلى أن المعادن الحرجة ستكون محط أنظار المستخدمين والمستثمرين بشكل متزايد خلال الفترة القادمة، نظراً لاعتماد صناعات المستقبل كالذكاء الاصطناعي والروبوتات عليها، مما يرفع من القيمة الاقتصادية لهذه الثروات الطبيعية مقارنة بالمواد التقليدية.

استثمار ملياري

وتراهن الإمارات على الشراكات العابرة للحدود لتثبيت موقعها داخل سلاسل إمداد المعادن الحرجة عالمياً.

وأعلنت الحكومة الإماراتية، في 24 أكتوبر 2025، عن شراكة مع الولايات المتحدة وشركة الاستثمار العالمية "أوريون ريسورس بارتنرز"، لاستثمار مشترك بقيمة 1.8 مليار دولار في مشاريع تعدين ومعالجة حول العالم، تستهدف معادن استراتيجية مثل الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، بما يدعم موقع الدولة ضمن سلاسل الإمداد العالمية المستقبلية.

وأُعلن عن الخطة، في إطار مساعٍ تستهدف تعزيز وصول الاقتصادات الغربية إلى الليثيوم والمعادن الأرضية النادرة وغيرها من المعادن الحرجة، التي تمثل ركيزة للتحول الصناعي والتقني العالمي، لا سيما في قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والإلكترونيات المتقدمة.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها في توقيت تصعّد فيه الصين القيود على تصدير المعادن الحرجة، وسط ارتفاع عالمي متسارع في الطلب، ما يعمّق المخاوف الغربية من اختناقات محتملة في سلاسل الإمداد، ويدفع نحو البحث عن بدائل أكثر تنوعاً واستقراراً، بحسب تقرير لوكالة "رويترز".

ووفق بيان صادر عن "أوريون"، بلغت الالتزامات الرأسمالية الأولية للشركاء الثلاثة – مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، وصندوق الثروة السيادي في أبوظبي "القابضة" (ADQ)، وشركة أوريون- ما قيمته 600 مليون دولار من كل طرف، مع خطط تستهدف تأسيس صندوق استثماري أكبر تصل قيمته إلى 5 مليارات دولار في مرحلة لاحقة.

وأوضح البيان أن هذا الاستثمار سيتيح لتحالف "أوريون سي إم سي" التعاون مع مستثمرين ودول شريكة لتطوير مشاريع المعادن الأساسية في الأسواق الناشئة، مع التركيز على إدارة عمليات الشراء، وبناء قدرات المعالجة المحلية، ودمج حلول تكنولوجية منخفضة التكلفة قابلة للتوسع عالمياً.

وفي هذا السياق، قال الشريك الإداري في الكونسورتيوم، والمساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون موارد الطاقة، فرانك فانون، إن التركيز ينصب على "المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج، أو القابلة لدخولها في المدى القريب جداً"، بهدف تأمين المواد اللازمة للولايات المتحدة والدول الحليفة، وفق "رويترز".

ويعكس الحضور الإماراتي في هذا التحالف توجّهاً أوسع لتثبيت موقع الدولة كمستثمر مؤثر في سلاسل القيمة الخاصة بالمعادن الحرجة، بما يتجاوز دور المورّد أو الشريك المالي، نحو الإسهام المباشر في إعادة تشكيل خريطة الإمدادات العالمية في قطاع عالي الحساسية الجيوسياسية.

وترسّخ الإمارات موقعها كأكبر مصدّر لمركبات المعادن الأرضية النادرة في الشرق الأوسط، مستحوذة على نحو 71% من صادرات المنطقة خلال عام 2024، بحجم بلغ 179 طناً، وفق تقرير لمنصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن).

وعلى مستوى القيمة، بلغت صادرات الإمارات 11 مليون دولار، تمثل 87% من إجمالي الصادرات الإقليمية المقدّرة بنحو 12 مليون دولار، مع تسجيل أعلى سعر تصديري في المنطقة عند 60 ألفاً و325 دولاراً للطن، ما يعكس تركيزاً على منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، ويعزز موقع الدولة ضمن سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحرجة.